عادي

الحكومة اللبنانية.. تحديات و"مطبات"

00:35 صباحا
قراءة 4 دقائق

بيروت: رامي كفوري

لا يكفي أن تحصل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على ثقة المجلس النيابي اللبناني، وهي كانت مضمونة لحظة إعلانها، لأنها جاءت نتيجة توافق بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف بتشكيلها، ودعم الكتل البرلمانية الرئيسة لها، ومحصلة محاصصة مقنّعة.

صحيح أن أحداً من الأطراف لم يحصل على الثلث «الضامن» أو «المعطل». لكنها ثبتت دور رئيس الجمهورية في عملية التشكيل بموجب البند الرابع من المادة ٥٣ من الدستور اللبناني. وهكذا قام تعادل سلبي أو إيجابي، بحسب نظرة كل فريق إلى الموضوع. ولم يعد أمام الحكومة سوى الانطلاق إلى العمل والإنتاج.

التحديات والإمكانات

كثيرة هي التحديات التي تواجه حكومة الرئيس ميقاتي، ومنها:

١- البدء بإعادة بناء الثقة بين اللبناني ودولته بعد سقوط هيبتها، وولوغها في مستنقع التجاذبات والخلافات التي جعلت لبنان على حافة الهاوية.

٢- إن أمام الحكومة مهمات جسيمة تبدأ بوقف الانهيار المالي والنقدي والاجتماعي الذي يضرب البلاد بقوة، وهو انهيار أوصل شرائح واسعة من المجتمع اللبناني إلى ما تحت خط الفقر، وهو ما لم يشهده لبنان منذ الحرب الكونية الأولى.

٣- هناك العديد من الملفات التي تبدأ بانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وتراجع قيمة الرواتب إلى الحدود الدنيا. إضافة إلى التداعيات المالية والاجتماعية لرفع الدعم عن المحروقات.

٤- بدء المحادثات مع صندوق النقد الدولي. وكيفية تنسيق المساعدات التي يحتاج إليها لبنان.

٥- موضوع ودائع المواطنين في المصارف ومصيرها، وضمان حقهم في الحصول عليها في ظل التعثر المالي الحاصل، والكلام المتنامي عن إخراج مليارات الدولارات مع بدء انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٩.

٦-التدقيق الجنائي في عمليات نهب منظمة لموارد الدولة تشمل وزارات وإدارات وقطاعات، ومصرف لبنان، خصوصاً بعد توقيع العقد الخاص بهذا الملف مع شركة «ألفاريز».

٧- التصدي لملف الكهرباء وإغلاقه نهائياً من خلال توفيرها ووضع حد للهدر والعجز اللذين كلفا الخزانة اللبنانية ما يزيد على الأربعين مليار دولار.

٨- إقرار البطاقة التمويلية وآلية توزيعها على العائلات لسد الفجوة الناتجة عن رفع الدعم عن المحروقات والدواء وسواها من الحاجيات الأساسية.

٩- التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، في ظل ما داخله من أبعاد وتعقيدات سياسية.

١٠- احترام الاستحقاقات الدستورية وفي مقدمتها الانتخابات النيابية وضرورة إجرائها في المواعيد المصرح عنها من قبل وزارة الداخلية.

١١- ترتيب العلاقات مع الدول العربية ولاسيما الدول الخليجية وتحديداً المملكة العربية السعودية.

١٢- إعادة نسج الثقة مع المجتمع الدولي في ضوء الإعراض الغربي عن مساعدة لبنان إلا بشروط.

الفخاخ والمطبات

وعلى الرغم من أن الأجواء توحي بإقلاع هادئ للحكومة الميقاتية، فإن ثمة مطبات في انتظارها منها التعيينات الإدارية لملء العديد من الشواغر في أجهزة الدولة، والتشكيلات الدبلوماسية، خصوصاً أن هناك مواقع حساسة شغرت بإحالة شاغليها على التقاعد، مثل سفارة لبنان في واشنطن، ومن سيكون المرشح لها، وعلى أية جهة سيكون محسوباً.

وهناك موضوع لا يقل خطورة عن كل الموضوعات المطروحة، وهو ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، والخوف من سطو الأخيرة على حقوق لبنان في حقول الغاز جنوباً نتيجة تخبط الموقف اللبناني الرسمي وغموض مقاربته له في ظل التباين الذي كان قائماً بين المسؤولين، ما ولد ويولد ارتباكاً، مع العلم أن الوفد العسكري اللبناني المعزز بخبراء دوليين قد أنجز ما أوكل إليه من مهمات، بما يسمح بالقول إن العمل التقني قد أنجز ولا يبقى إلا القرار السياسي.

ثقة عالية

لقد حصدت حكومة الرئيس ميقاتي ثقة أصوات 85 نائباً من أصل مائة نائب حضروا الاثنين الماضي إلى «قصر الأونيسكو» لمناقشة البيان الوزاري، وقد أصر رئيس المجلس النيابي نبيه بري على إنهاء المناقشات في اليوم عينه. وهذا ما حصل، إذ جرى التصويت على الثقة مساء، وقد صوتت ضد الثقة كتلة «الجمهورية القوية» المؤلفة من نواب «القوات اللبنانية». ولم تخل الجلسة من سجالات حامية بين نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي ورئيس تكتل «لبنان القوي» النائب جبران باسيل على خلفية قول الأخير إن نواباً ووزراء أخرجوا أموالاً من لبنان، ما اعتبره الأول استفزازاً ومساً بكرامة النواب متحدياً باسيل أن يسمي.

في أي حال لم تكن للسجالات النيابية أي تداعيات دراماتيكية على مسار الجلسة، وكانت حدتها أقل من المتوقع.

وقف تدهور.. أو فرصة إنقاذ؟

لا شك في أن الرئيس نجيب ميقاتي يريد لهذه الحكومة أن تكون حكومة إنقاذ، وسيسعى بما لديه من مرونة، وطول أناة، وقدرة على تدوير الزوايا، ليجعلها كذلك. لأن نجاحه «سيطوبه» زعيماً أول في الطائفة السنية، وسيثبت بأنه كسب حيث أخفق الرئيس سعد الحريري، وبالتالي - واستناداً إلى هذا التقدم - لن يعود زعيماً سنياً وازناً في طرابلس وسائر الشمال، بل على امتداد لبنان.

ويتقاطع حرص الرئيس ميقاتي على النجاح، مع حرص مماثل لدى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أصيب عهده بانتكاسات وتشوهات، وكان الأكثر استهدافاً بين كل رؤساء الجمهوريات الذين تعاقبوا منذ إعلان دولة «لبنان الكبير». وهو يعتقد بأنه ظلم كثيراً وأنه كان عرضة لسهام جانية لأنه رفع شعار الإصلاح والمحاسبة، ما ألّب ضده جميع المتضررين من قيام دولة قوية ومقتدرة. وبالتالي، فإن ما يهمه تسجيل إنجازات نوعية في السنة الأخيرة المتبقية من عهده.

على أن السؤال المطروح: هل ينطبق حساب «البيدر» الميقاتي، على «الحقل» العوني؟

وهل يكون الحصاد قمحاً ذا جودة عالية، أو زؤاناً لا يصلح لمواجهة هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان والمنطقة التي تشهد تحولات خطيرة، في لحظة حراك دولي لا يستطيع أحد أن يتكهن بما قد يحمله من تطورات، خصوصاً بعد الذي حصل في أفغانستان، وما يحصل على الجبهة العراقية والشرق السوري؟

إنها أسئلة مشروعة لا يمكن القفز فوقها، لما لها من تداعيات على المشهد اللبناني.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2hnc9emv