دبي عاصمة العالم

00:47 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

عندما كتب جيل فيرن، روايته الشهيرة «حول العالم في ثمانين يوماً»، لم يدُر في خلده أن ذلك سيكون ممكناً، وفي مكان قريب جداً من مسار رحلته الدائرية التي قطعها من لندن وإليها، مروراً بمصر، وبومباي، وغيرهما من مناطق العالم، ولم يكن يعرف أن دبي ستتحوّل إلى عاصمة للعالم يمكن لزائرها أن يقوم بجولة عالمية ليتعرّف إلى آخر ما ابتكره العقل البشري.

وعلى بعد أيام قليلة من ذكرى نصر أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1973، تأتي مدينة عربية ودولة عربية لتصنع نصراً آخر، يتشابك فيه العلمي بالتكنولوجي بالاقتصادي والثقافي، وتجمع فيه دبي نحو 150 دولة، وأكثر من 200 جناح، على مدى 182 يوماً كاملة.

ففي غرة أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ستتجه أنظار العالم إلى «إكسبو 2020 دبي» الذي تأجل تنظيمه بسبب جائحة «كورونا»، ومع هذا الحدث الضخم، ستتنافس دول العالم وكبرى الشركات على تقديم أفضل ما لديها من ابتكارات. ويمكننا القول إن هذا المعرض الضخم يتجاوز أبعاده الاقتصادية، ليكون ملتقى حضارياً بين المجتمعات الإنسانية يقوم على أربعة عناصر أساسية، هي: الشراكة والابتكار والتفاعل والتأثر.

صحيح أن هناك تحديات عالــمية واجهت تنظـــــيم هذا الملتقى الدولي، الذي سيعطي نـــفساً جــــديداً للاقتصاد العالمي المثقل بمخلفات الجائحة الكارثية، ولكن لا شيء سيمنع دبي من أن تكون قبلة العالم، وفخر العرب، وفخر الأمم التي تنشد الرقي الإنساني ضمن منظور أكثر عمقاً لمفهوم العولمة، والتقارب بين شعوب العالم.

و لعلّ من بين أهم شعارات «إكسبو 2020 دبي» هو التركيز على المستقبل، وما يمكن أن يكون عليه عالمنا بعد عقود من الآن. إنّ هذا الــــملتقى الضـــخم يؤسس لشراكة جديدة بين الدول والمـــجتمعات ضـــمن رؤية منهجية واضحة في سياسة دولة الإمارات التي لم تتأخر سابقاً في أن تكون مكاناً ليلــــتقي فيه ممــــثلو الأديان ليوقعوا على وثيقة «الأخوّة الإنسانية» التي تنص بدورها على حماية عالمنا وحماية الأجــــيال القادمـــة، ودعـــــم قيم السلام والتعايش السلمي. وحريّ بنا هنا أن نذكر أحد أهداف هذا الملتقى، حيث ذكر بابا الفاتيكان «لا نسعى إلى جمع العالم معاً فحسب، لكنّنا نسعى أيضاً إلى رسم مسار المستقبل - ولا يــمكننا فعل ذلك بمفردنا. ندعوك إلى الانضمام إلينا في سعينا لصنع مـــــستقبل أكــثر نظافة، وأماناً، وصحة للجمـــــيع. فعندما نصبح يداً واحدة ونتحمل مسؤولياتنا الشخصية والجماعية، سيصنع تأثيرنا المــــشترك فارقاً في جودة الحياة للأجيال القادمة».

هذه فلسفة إقامة هذا الملتقى الضخم، ولكن تحقيق الأهداف الضخمة يستوجب حركية اقتصادية عالمية يستفيد منها الجميع، ويُقضى بها على شواغل إنسانية باتت تؤرق الجميع أيضاً، ألا وهي قضايا الفقر والجوع والهجرة غير النظامية، والاختلال الكبير في توزيع الثروات العالمية بين قطبي العالم، الغني والفقير.

إن «إكسبو 2020 دبي»، سيكون محطة فارقة في منعرجات التحولات الكبرى في التاريخ البشري، لأن هناك رغبة جادة من قبل منظميه في تأسيس علاقات جديدة وجدّية بين الشركاء. ألسنا نقول إن منطق الانفراد بإدارة شؤون العالم قد أنتج الكثير من المشكلات التي بات يصعب حلّها؟ هذا صحيح، ولا خلاف عليه، والحل هو في إقامة شراكات فعلية، وفي تعزيز قيم العمل الجماعي، وتعزيز التفاهم برغم المصالح المتقاطعة والمتضاربة أحياناً، وهذا ما يؤسس له معرض إكسبو دبي الذي ينطلق بعد أيام قليلة.

لقد دأبت الإمارات على إطلاق مبادرات مهمّة بالنسبة إلى الإنسانية، مثل الحملة المليونية للتعليم التي استفاد منها الملايين في الدول الفقيرة، وكذلك إرسال «مسبار الأمل» الذي يعاضد جهود الإنسانية لاكتشاف الكوكب الأحمر، فضلاً عن مسابقة تحدي القراءة التي أتت لتعزز الإقبال على التعلم في الدول العربية. وليس «إكسبو دبي» سوى حلقة جديدة يتكامل فيها الاقتصادي بالحضاري، لتكتمل دورة الريادة الإماراتية عربياً وعالمياً، ولتقطع نهائياً مع فكرة «دول البترودولار»، أي مع تلك الصفة التي تجعل دولاً يرتهن اقتصادها بمداخيلها من عائدات تصدير النفط والغاز. وتلك هي النقلة الحضارية النوعية التي نجحت فيها الإمارات، لتشق طريقها في عوالم أكثر ثراء واستدامة، إنها عوالم العلوم، والابتكارات، والشراكات.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/4452ssdv