دروس من انتخابات المغرب

00:35 صباحا
قراءة 4 دقائق

د.إدريس لكريني

شهد المغرب في الثامن من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، انتخابات عامة (تشريعية ومحلية وجهوية)، تعد الثالثة من نوعها التي تمر في ظل دستور 2011، الذي عزز من صلاحيات الحكومة والبرلمان ودعم الخيار الجهوي للمغرب.

أجريت هذه الاستحقاقات في ظرفية لا تخلو من تحديات وصعوبات فرضتها جائحة كورونا، ما دفع السلطات إلى فرض مجموعة من الضوابط الصحية التي تضمن توفر شروط التباعد الصحي، سواء خلال الحملة الانتخابية أو عند عملية الاقتراع، فيما حرصت الأحزاب السياسية من جانبها على توظيف تقنيات التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومختلف القنوات التواصلية الأخرى المسموعة والمرئية خلال حملاتها الانتخابية، لطرح برامجها وتصوراتها التي ركزت في مجملها على التعهد بمجابهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها الجائحة، وتطوير الاقتصاد وجلب الاستثمارات الخارجية وتوفير فرص الشغل.

وقد سبق ذلك اعتماد تغيير لحق طريقة حساب «القاسم الانتخابي» الذي توزع على أساسه المقاعد البرلمانية، وتلك المتعلقة بمجالس الجماعات الترابية (المحلية)، أخذاً بعين الاعتبار لعدد الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية، بدلاً من عدد الأصوات المعبر عنها بالفعل، وهو ما أثار نقاشاً حاداً بين حزب العدالة والتنمية الذي رأى فيه وسيلة لتقزيم حضوره في المشهد السياسي من جهة، ومعظم الأحزاب السياسية الأخرى، التي أكدت أهميته وبأنه لا يمس بمبدأ تكافؤ الفرص؛ بل يمثل – بحسبها - مدخلاً لتعزيز المشاركة في الانتخابات وتجاوز حالة العزوف السياسي والانتخابي السائدة منذ سنوات، ويحول دون احتكار المواقع الحكومية والبرلمانية من طرف حزب أو أحزاب معينة.

اتسمت هذه الاستحقاقات بمشاركة واسعة من الناخبين؛ حيث وصلت نسبتها لأكثر من خمسين في المئة، ما يبرز حرص المواطنين على إبراز نخب جديدة، وعلى إخراج خريطة سياسية تنسجم مع توجهاتهم نحو مزيد من الإصلاحات، ومواجهة عدد من المشاكل المطروحة، وقد أظهرت الإحصاءات الرسمية أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة هذه المشاركة في الأقاليم الجنوبية للمغرب؛ حيث تجاوزت الستين في المئة، وهو ما يشكل رداً موضوعياً على طروحات الانفصال، وعلى كل الأصوات التي تشكك في حقوق المغرب في أقاليمه الجنوبية.

أفرزت النتائج فوزاً كاسحاً لحزب التجمع الوطني للأحرار على مستوى المقاعد المحصّلة داخل مجلس النواب وكذا المجالس الترابية ومجالس الجهات، متبوعاً بكل من حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال. وعلى الرغم من أن الكثير من الباحثين والمراقبين كانوا يتوقعون تراجعاً لحزب العدالة والتنمية الذي يندرج ضمن التيارات الإسلامية، فإن المقاعد التي حصلها في هذه الانتخابات كانت صادمة، بعدما بوأته مراتب متأخرة؛ حيث تدحرج من المرتبة الأولى التي حققها في الانتخابات التشريعية خلال التجربتين الأخيرتين إلى المرتبة الثامنة، ومن 124 مقعداً في مجلس النواب عام 2016 إلى 13 مقعداً فقط في التجربة الحالية.

تعددت العوامل التي أسهمت في تراجع الحزب الذي حملته رياح ما يسمى «الربيع العربي»، كما هو الشأن بالنسبة لعدد من التيارات الإسلامية في مصر وتونس والأردن، ففي الوقت الذي برّر فيه الحزب هزيمته بعوامل خارجية، أرجعها إلى ما أسماها ب«الضغوطات» التي تعرض لها عدد من أعضائه من قبل خصومهم السياسيين وإلى استخدام المال، ووجود «تدخلات من قبل بعض رجال السلطة» لاستمالة الناخبين، بما أثر سلباً في مبادئ الحياد وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

يرى آخرون وعلى عكس ذلك، أنه وعلاوة عن الخلافات التي برزت داخل الحزب في السنوات الأخيرة، وعودة عدد من الأحزاب السياسية بقوة إلى دائرة التنافس السياسي، كما هو الشأن بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة، يبدو أن محك التعاطي مع الشأن العام من داخل العمل الحكومي والمجالس المحلية المنتخبة نال من مصداقية الحزب، وكشف عن مفارقة بين شعارات ووعود وردية أطلقها هذا الأخير من موقع المعارضة الذي خبره لسنوات من جهة، وميدان العمل والسياسات العمومية التي كانت الحصيلة فيها متواضعة، بالنظر إلى الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة والتي لم ينجح الحزب الذي قاد تجربتين حكومتين متتاليتين في مواجهتها بسبل استراتيجية ومستدامة من جهة أخرى.

مثلت هزيمة الحزب وانتقاله إلى المعارضة بمقاعد محدودة داخل مجلس النواب - لا تمكنه حتى من تشكيل فريق نيابي- السمة الأكثر إثارة للنقاش داخل الأوساط السياسية والأكاديمية، وذهب البعض إلى أن السقوط المدوّي للحزب، وما رافقه من تحليلات لا تخلو من «شماتة». والواقع أن عدم الاقتناع أو القبول بمخرجات صناديق الاقتراع التي يلعب فيها الناخب دوراً محورياً، هو في حد ذاته تشكيك في العملية الديمقراطية التي تقوم على التداول السلمي على السلطة.

إن مساهمة الأحزاب السياسية في تعزيز الممارسة الديمقراطية وتحقيق التنمية لا تتأتى من موقع العمل الحكومي فقط؛ بل من داخل المعارضة البناءة أيضاً، ويمكن للصدمة التي تلقاها الحزب أن تشكل فرصة لتقييم الأداء ومراجعة الأخطاء، بدل إضاعة الوقت في التشكي وإلقاء اللوم بعيداً، بدل إعمال نقد موضوعي للذات.

وبغض النظر عن الخريطة التي أفرزتها هذه الاستحقاقات والتوازنات التي تمخضت عنها، فإن الفائز الأكبر في ذلك هو التداول السلمي على السلطة.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"