الرسم غريم للأدب

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

هل من علاقة بين اللوحة التشكيلية والعمل السردي الروائي؟ سؤال أجاب عنه الكاتب الإنجليزي جيفري ميرز في كتاب «عتيق» صدر عام 1987 في بغداد عمّا كان يُسمّى آنذاك «دار الشؤون الثقافية العامّة».
وقبل أن آخذ القارئ العزيز إلى هذا الكتاب العتيق أشير فقط إلى الزمن الذهبي الذي شهدته بغداد في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. وإذا كان العرب قد عرفوا أو حفظوا عبارة: «بيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، فإن بغداد آنذاك، وما أقسى كلمة آنذاك هذه، كانت تطبع وتنشر وتوزّع وتقرأ معاً: عناوين في الرواية والفنون والمسرح والترجمات، مجلات شهرية وفصلية: «الأقلام» مثلاً، ومن كان ينشر فيها مرة ثانية آنذاك، من شعراء مصر وبلاد الشام كان يأخذ بطاقة اعتراف بشعريته العربية منها، ومن المجلات العراقية الأدبية عموماً، التي كانت تنشر لشعراء الوطن العربي.
هذه تداعيات صغيرة أحاطت بهذه الكتابة الحنينية، وأنا أنفخ الغبار عن كتاب قديم في مكتبة بدت الكتب فيها وحيدة غريبة وهي لم ترَ قارئها منذ زمن بعيد.
يعاين جيفري ميرز أكثر من 14 لوحة تشكيلية في عدد من الأعمال الروائية، فاللوحة هي «بطلة» الرواية، وبعض أشخاص الروايات التي قرأها ميرز هم رسّامون، ولكن، في كل الأحوال، نحن أمام قراءة ثقافية عميقة للروايات وللأعمال اللوحية التشكيلية.
نشاهد، ونتأمل لوحات كلاسيكية عريقة من مثل: «صعود القدّيس يوحنا إلى السماء»، و«مشهد من ديلف»، و«سالومي ترقص أمام هيرود»، و«المسيح داخل القبر»، و«عبادة الحمل»، و«السلطان محمد الثاني»، و«دوّامة الخيل»، و«دخول المباركين إلى الفردوس»، و«بياتريس سينشي»، و«ميخائيل كبير الملائكة»، و«القدّيس غريغوري يعلن عن موت القدّيسة فينا»، و«مشهد رعوي»، وغيرها من أعمال فنية كلاسيكية.
يقدّم جيفري ميرز في الحقيقة قراءتين في كل معالجة فكرية ونقدية وجمالية للوحة وللرواية، ويهمّنا هنا علاقة اللوحة بالرواية بشكل محدّد، كما لو أن ميرز في هذه المقاربات الثقافية يشير إلى ظاهرة روائية في حدّ ذاتها تقوم على أعمال كبيرة لرسّامين كبار أيضاً في أوروبا قبل ظهور تيارات روائية لاحقة مثل الرواية الواقعية، والرومانسية، والتاريخية، ورواية الغموض والجاسوسية وغيرها من دورات روائية لم يكن الفن التشكيلي عمادها البنائي السردي.
اليوم، تنتشر في الثقافة الغربية روايات من مثل «شفرة دافنشي» و«اسم الوردة» و«المخطوط القرمزي» وهي ليست روايات لوحات، بل روايات بحث في خرائط ومخطوطات وأماكن غامضة مثل الأديرة والكنائس والأمكنة الغامضة المسكونة بالألغاز، أضف إلى ذلك رواية الجريمة، والروايات «الزهرية»، وتلك التي تلعب على الأوتار الحسّية، ثم الرواية البوليسية، والخيال العلمي، والسياسية، والتي تقوم على أشخاص أو تلك التي تصف تراجيديات كونية جرّاء حروب أو أوبئة أو كوارث طبيعية أو روايات ذات طابع عنصري، أي ترفض العنصرية، في ما يمكن أن يُسمّى الأدب الأسود، أو الروايات التي تعالج قضايا من مثل الهجرة، والتمييز، والجوع، والاستبداد، والاستعمار.
خارج كل هذا الإطار «الكوني» لفن السرد، تأتي رواية الفن أو رواية اللوحة بعيدة تماماً عن المألوف والمتداول في تاريخ السرد سواءً على النطاق الغربي أو العربي على السواء.
يقول جيفري ميرز «يستطيع الرسم أن ينفذ إلى الحقيقة غير المتغيّرة للأشياء وَيُبرهن بذلك على أنه غريم للأدب».
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"