بناء الدولة العراقية

00:35 صباحا
قراءة 3 دقائق

في نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت مؤخراً، هناك خسارة واضحة للقوى العسكرية غير النظامية، ومن ورائها قوى تقليدية متحالفة مع إيران، لمصلحة التيار الصدري، الذي يسعى إلى تشكيل حكومة، بحسب تصريحاته، ستكون «لا شرقية ولا غربية»، في إشارة واضحة إلى ضرورة نأي العراق بنفسه عن التجاذبات الحادّة في الإقليم، والالتفات إلى مهمة إعادة بناء الدولة، على أن يكون المدخل لهذا المسار هو احتكار الدولة للسلاح، ومدى تحقيق هذه المهمة هو محدّد رئيسي لاستقلالية الدولة، فالدولة لا تكون صاحبة سيادة على أراضيها إلا من خلال احتكار السلاح.
 منذ عام 2003، فقدت الدولة العراقية قدرتها على ضبط السلاح، فالاحتلال الأمريكي بقي لسنوات هو القوّة المسيطرة على احتكار السلاح واستخدامه، في الوقت الذي راحت تنمو فيه قوى وفصائل خارج إطار الدولة، لديها قدرات عسكرية كبيرة، وإمكانات كبيرة في مستويات عدّة، حازت الكثير منها عبر تحالفاتها مع الخارج، كما اتّخذت تلك التنظيمات مسميّات عديدة، تنتمي إلى حقل دلالي واحد هو الحقل الطائفي، مع سرديات أيديولوجية حول المظلومية، من أجل اكتساب مشروعية الحواضن الشعبية، أيضاً بدلالاتها الطائفية، وخلال ما يقرب من العقدين، استنزف السلاح غير الشرعي، إلى جوانب عوامل عديدة أخرى، مقومات العراق، لكن في المقام الأول، فقد أعاق السلاح ولادة الدولة.
 مظاهر الدولة الحديثة موجودة في العراق، فهناك برلمان منتخب، ومؤسسة تنفيذية، ممثلة برئاسة الحكومة، وهناك وزارات سيادية، في مقدمتها وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، لكن وقائع المشهد السياسي العراقي تؤكد أن هذه المؤسسات الحديثة هي مؤسسات ذات طابع شكلي، بينما المضمون ينتمي إلى دولة ما قبل المواطنة، فالدستور العراقي هو دستور يقوم على الديمقراطية التوافقية، وهي بالمعنى العراقي ديمقراطية المحاصصة الطائفية، وقد أنتج هذا الشكل من أشكال «الديمقراطية» حياة سياسية قوامها الأحزاب السياسية الطائفية، وهو ما يعني واقعياً أن همّها الأول والأخير هو الناخب الذي ينتمي إلى طائفتها، وهو ما يحدد من الأساس بنية وشكل خطابها، وأيضاً ما تصدره من شخصيات، قادرة على الاستقطاب الطائفي.
 احتجاجات أكتوبر في عام 2019، أو ما عرف باسم «انتفاضة تشرين»، هي من حيث الجوهر احتجاجات على واقع الدولة والمجتمع، وبدرجة أكبر هي احتجاجات على تآكل الدولة، ووقوعها فريسة السلاح والفساد، فقد فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة في تأمين الخدمات الرئيسية للمواطنين، ومن المفارقات المأساوية أن العراق الذي يعدّ أكبر خامس احتياطي عالمي للنفط، لا يستطيع تأمين الطاقة الكهربائية للكثير من المدن، بما فيها العاصمة بغداد، التي لا تقل معاناة سكّانها في هذا المجال عن معاناة مدن أخرى، وقد كشفت وثائق عديدة خلال العقد الماضي عن حجم الفساد في ملف الكهرباء العراقي، لكن من دون أن تحصل أي مساءلة، ولا تختلف مشكلات وأزمات هذا الملف عن ملفات أخرى، ما جعل ثقة المواطن العراقي بدولته قليلة.
 في الانتخابات الأخيرة، فضّلت الكثير من القوى المدنية أن تقاطع الانتخابات، وقد تبدو هذه الخطوة رمزية في ظاهرها، لكنها تعكس أمرين اثنين، الأول أنها تدرك مسبقاً طبيعة السياق الانتخابي الحالي، وتجد أن مشاركتها لن تؤدي إلى خلخلة موازين القوى، والأمر الثاني هو أن وجودها في المعارضة قد يكون أفضل لها، وهو ما يعطيها مساحة للمناورة، ويجعلها قوة ضغط، خصوصاً إذا ما تمكّنت من تنظيم نفسها على المستوى الوطني، وإحدى أهم ميزات التيار المدني أنه يخوض في عالم السياسة انطلاقاً من تصورات حديثة لمفهومي الدولة والمواطنة، ويرفض هيمنة القوى السياسية الطائفية، والتي تمضي فعلياً من فشل إلى آخر.
 القوى السياسية التقليدية، ومعها القوى الفصائلية، ستجد صعوبة في التكيّف مع نتائج الانتخابات، خصوصاً إذا تمكّن التيار الصدري من تشكيل الحكومة، بالتحالف مع قوى منسجمة مع طموحاته في تقليص دور النفوذ الخارجي في المشهد السياسي والعسكري، وإعادة هيكلة الجيش العراقي، واحتكار السلاح من قبل أجهزة الدولة ذات الصلاحية، وقد تنشأ عن حالة الممانعة هذه حالة من التوتّر، وربما الصدام، لكن في كل الأحوال، فإنه لا مفر للعراق من مواجهة تحدي السيادة، والذي يعني بالضرورة استقلالية السياسات؛ بحيث يكون منطلقها وغاياتها المصالح العراقية بدلالات وطنية عامة.
 المصلحة في إعادة بناء الدولة العراقية ليست مصلحة عراقية وحسب؛ بل أيضاً مصلحة للأمن والاستقرار الإقليمي برمّته؛ إذ من شأن تحقيق مبدأ سيادة العراق على أراضيه ودولته ومقدراته أن يسمح بتقليص أدوار الفاعلين الإقليميين، الذين زادوا من حجم نفوذهم نتيجة تدهور أوضاع دول المشرق العربي.
[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"