معضلة استقرار ليبيا

00:51 صباحا
قراءة دقيقتين

تمر ليبيا بمرحلة حاسمة يكتنفها الغموض، وهي تتأهب للاستحقاق الانتخابي، الذي يراهن عليه المجتمع الدولي، ولا يريد تأجيله، لكن في الداخل هناك تباينات وخلافات وعراقيل تجعل من الاستحقاق أشبه بالمقامرة، فإما أن يتعزز مسار توحيد المؤسسات والمصالحة الوطنية، أو تعود البلاد مجدداً إلى الانقسام الذي عانته سنوات ولم يتم تجاوز أسبابه إلى الآن.
على الرغم من اقتراب الموعد الانتخابي في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل وفق خارطة الطريق، التي أقرها ملتقى الحوار السياسي الليبي، لا توجد ضمانات واضحة بأنه سيكون في تاريخه كما هو مقرر، كما لا يوجد قانون انتخابي مقنع لجميع الأطراف في ظل الخلافات القائمة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فضلاً عن أن الشخصيات التي يفترض أن تترشح للانتخابات الرئاسية ما زالت خاضعة للتكهنات والحسابات المحلية والدولية، فجميع الأطراف تخشى المفاجآت، لاسيما أن الانقسام الدولي حول ليبيا الذي كان قبل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مازال قائماً، وكل محور له مرشحوه وأجندته وخطوطه الحمر، وربما يكون هذا العامل هو «المسكوت عنه» الذي يمكن أن يقوض المسار سواء جرت الانتخابات أم لم تجر. أما على المستوى الليبي الداخلي، فليس هناك توافق نسبي على شخصية معينة خصوصاً من الوجوه السياسية التي كان لها دور خلال فترة الانقسام، وقادة الميليشيات المختلفة التي أججت الحرب الأهلية وباتت مسؤولة عن سلسلة من الجرائم وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة بكل أصنافها. وفي ظل أجواء التوتر المستمرة، فإن إرادة الناخبين ربما لن تكون حرة وقد تخضع لابتزاز هذا الطرف أو ذاك وقد تأتي بنتيجة عكس التوقعات المتفائلة. كما أن حكومة الوحدة الوطنية المؤتمنة على هذه المرحلة تحمل في أحشائها بذور الانقسام، الذي يدور أغلبه في الكواليس.
المواقف الدولية تطالب بضرورة إجراء الانتخابات في موعدها وانسحاب المرتزقة، لأنها ترى أن ذلك يعتبر من الشروط الأولية لاستعادة الاستقرار، أما الإخفاق في ذلك فسيجدد الصراع ويلقي بالبلاد مجدداً في أتون العنف والفوضى. وبالنظر إلى الوضع الحالي فإن كل الفرضيات تبقى ممكنة بعد تعثر خطوات المصالحة وإجراءات توحيد المؤسسات، العسكرية منها على الخصوص، على الرغم من النتائج البناءة التي توصلت إليها اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، لكنها نتائج مؤقتة تتصل بدعم اتفاق وقف إطلاق النار، ولا يمكن أن يستمر مثل هذا النجاح، إلا إذا انبثقت عن الانتخابات المرتقبة سلطة كاملة الشرعية تحظى بتوافق الجميع وتجمع كل المؤسسات تحت سلطتها وتفعل إجراءات السيادة الوطنية دون استثناءات.
في الطريق إلى الانتخابات هناك جملة من العقبات تحتاج إلى حلول عاجلة، وربما يسهم مؤتمر «استقرار ليبيا» بطرابلس في حل بعض المعضلات، فالأجواء العامة ليست مثالية، والخلافات المستجدة لا يمكن الاستهانة بتداعياتها على المستقبل إذا ما تم فرض الانتخابات فرضاً، فذلك الاستحقاق ليس إجراء شكلياً؛ بل محطة مصيرية لتأسيس نظام مستقر ودولة مسؤولة. ولضمان النجاح الأوفى فإن تفكيك كل ما يهدده سيكون عملاً محموداً يصب في مصلحة ليبيا والمجتمع الدولي.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"