لبنان في «عين الرمانة»

00:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

الأحداث التي جرت مؤخراً في منطقة عين الرمانة في ضاحية بيروت، وأدّت إلى مقتل وجرح مواطنين، أعادت إلى الأذهان، وخصوصاً اللبنانيين والعرب، الذكرى المأساوية للحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت شرارتها الأولى إثر حادثة إطلاق النار على حافلة في المنطقة ذاتها يوم 13 أبريل/ نيسان 1975، واستمرت حوالي 15 عاماً، خاض فيها اللبنانيون، من أحزاب وطوائف، في دماء بعضهم بعض، مع موجات نزوح داخلي، وتغيير ديموجرافي، وهجرة أعداد كبيرة من اللبنانيين إلى الخارج، ما عدا المفقودين، الذين لم يعرف لهم أي أثر.

بعد اتفاق «الطائف»، بدا أن لبنان يتعافى شيئاً فشيئاً مع بداية عمليات إعمار لبنان، في عهد رئيس الحكومة الأسبق الراحل رفيق الحريري، حيث ترأس الحكومة بين عامي 1992 و1998، تحوّل فيها لبنان إلى ورشة عمل، من أجل تصفية آثار الحرب، لكن لم يكتب للحريري أن ينجو من الصراع في لبنان، والصراع عليه، وكذلك لبنان بقي عالقاً في فخّ الماضي، وعلى أهبة الاستعداد لاستدعاء لغة الحرب لفظياً في كل مناسبة، فالصراعات السياسية في لبنان ليست صراعات داخلية وحسب، بل صراعات مركّبة، يشكّل الخارج الإقليمي جزءاً من بنيتها.

وفقاً للدستور اللبناني، وآليات تشكيل الحكومة، فقد شهد لبنان حالات فراغ في رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، ولا عجب في ذلك، فصيغة المحاصصة الطائفية التي تضمنها اتفاق «الطائف»، تسمح فعلياً لأي طرف سياسي رئيسي أن يعطل تشكيل الحكومة، وأن يحدث فراغاً في إدارة البلاد، وتنسحب حالة التعطيل والمناكفة على مجمل مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء، والذي أصبح في مرمى الخلافات الحزبية والسياسية. وقد كشفت اعتراضات فئة من اللبنانيين لعمل القضاء اللبناني، في حادثة تفجير مرفأ بيروت، عن واحدة من أعتى مشكلات لبنان السياسية، والتي تتمثّل في اعتبار الطبقة السياسية نفسها فوق القانون والمحاسبة، بل وجاهزة للتدخل ضده، والحشد ضد من يمثله من قضاة.

انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب 2020، الذي أودى بحياة 217 مواطناً، دفع الأطراف السياسية إلى اتخاذ مواقف مختلفة، بين مؤيد لتحويل التحقيق إلى تحقيق دولي، وبين رافض للتدويل، لكن النتيجة التي رسا عليها اللبنانيون هي أن يتولى القضاء اللبناني التحقيق، مع معرفة الجميع في لبنان أن مثل هكذا حادث، بما يتضمنه من ملابسات، سيطال بعض أهم رموز الطبقة السياسية، وهو أمر غير ممكن من الناحية العملية، فتوازنات القوى في لبنان لا تسمح بالذهاب بعيداً في محاكمة رموز سياسية نافذة، خصوصاً أنها، في الوضع اللبناني، لا تمثّل نفسها فقط، وإنما أيضاً أحزابها وطوائفها.

بوادر تدهور الأوضاع السياسية في لبنان، وربما تحوّلها إلى انفلات أمني، ظهرت في الشق الاقتصادي/ المعيشي منذ أكثر من عام، فمع عجز لبنان عن تسديد ديونه الخارجية، وتراجع العملة الوطنية، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وأزمة الطاقة، كل ذلك كان يشير إلى أن لبنان وصل إلى منعطف خطير، خصوصاً أن الأوضاع الإقليمية لا تسمح فعلياً بحدوث توافق على استقرار لبنان، ولبنان نفسه أصبح مجرد تفصيل في قائمة الخلافات الإقليمية، التي أصبحت ذات طابع وجودي، أكثر من كونها خلافات تنافسية.

خلال العقد الماضي، حاولت القوى اللبنانية أن تضبط خلافاتها حول الأوضاع في الإقليم، وعلى الرغم من فشل لبنان في الالتزام بمبدأ النأي بالنفس عما يجري في سوريا، إلا أن جميع الأحزاب اللبنانية كانت تدرك أن أي زيادة في مستوى التصعيد قد تدفع نحو تأجيج حالة الصدام الداخلي، لكن كلفة هذا الخيار كانت أكبر وأثقل من أن تبقى مؤجلة إلى ما لا نهاية، خصوصاً أن قوّة وحضور بعض القوى السياسية تأتي من حلفائها الخارجيين، وأي انتصار أو هزيمة لهؤلاء الحلفاء ستتم ترجمتها لبنانياً، إما زيادة في النفوذ وإما انحسار، وهو ما يعني خلخلة موازين القوى السياسية الداخلية، وما تتضمنه من أبعاد اجتماعية، على خلفية تمثيل الأحزاب لطوائفها.

فشِل لبنان في تصفية آثار الحرب الأهلية، ولم تستفد القوى السياسية من دروس الماضي، كما أن مآلات العقود الماضية، أظهرت أن اتفاق «الطائف» كان هدنة طويلة، تخللتها حروب سياسية وإعلامية كثيرة، واستعراض للقوة في مناسبات عديدة، وأن فرصة بناء دولة للجميع، بعلم واحد، قد أخفقت، وأن الرايات الطائفية والحزبية بقيت أعلى وأكثر حضوراً، ما أبقى لبنان دائماً في «عين الرمانة»، هناك حيث شبح الحرب الأهلية ما زال يجول، منتظراً اندلاع شرارة جديدة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"