لئلا تسقط الثورة

00:32 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

ما حصل في السودان، يوم أمس الاثنين، ما كان يجب أن يحصل، رغم أنه لم يكن مفاجئاً بعد بلوغ الخلاف ذروته بين شركاء الثورة، من مدنيين وعسكريين. كان يجب أن يكون نجاح الثورة على نظام عمر البشير في إبريل/ نيسان 2019 بمنزلة «خط أحمر» لا يجوز تجاوزه، أو الالتفاف عليه، لأن هذه الثورة كانت نتيجة تلاحم الشعب مع قواته المسلحة، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من القهر والاستبداد والفساد، ولهذا انتصرت، وبشّرت بعهد جديد من الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وشقت طريقاً لاجتثاث «جماعة الإخوان»، وتخليص الشعب السوداني من ربقة طغيانهم وفسادهم وسطوتهم.

أجل، ما حصل ما كان يجب أن يحصل، لأن الأهم تحقق، وبقيت التفاصيل والهوامش التي كان يجب حلّها بالحوار، مهما طال، وبالصراحة مهما كانت قاسية، والالتزام بالصبر والتعقل وحسن البصيرة، من أجل الثورة وحمايتها من السقوط، أو محاولة السطو عليها من جديد، وإعادة السودان إلى الوراء، إلى عهد البشير الأسود.

ورغم ما حصل، يجب حماية الثورة ومنجزاتها، وعدم ترك النوازع الشخصية والفئوية تتحكم في القرارات، أو تؤثر في طبيعة العلاقات بين مكونات الثورة وامتداداتها الشعبية والعسكرية، باعتبار أن الجميع يشكلون روح الثورة وحاضنتها، وسبب وجودها وبقائها.

وعندما تدعو دولة الإمارات إلى «التهدئة وتفادي التصعيد والحرص على الاستقرار بأسرع وقت، بما يحقق طموحات الشعب السوداني في التنمية والازدهار»، إنما لخوفها على السودان وشعبه، وحرصاً منها ضرورة الحفاظ على ما تحقق من مكتسبات سياسية واقتصادية، وما يحمي وحدة السودان وسيادته.

لعل ما حصل يكون سحابة صيف، أو مجرد «ثورة في فنجان»، لن تؤثر في صلب ثورة إبريل الحقيقية، وأن يظل الهدف هو حماية السودان والسودانيين، وتثبيت الأمن والسلام والاستقرار كأساس، وعدم الانجرار إلى ما هو أسوأ، واعتبار الحوار منطلقاً لأي تفاهم، ما دامت «الوثيقة الدستورية» التي تم اعتمادها في أغسطس/ آب 2019 مرجعاً للعلاقة بين طرفي الثورة، ما زالت قائمة وصالحة للعمل المشترك.

في مطلق الأحوال، لم يغلق رئيس مجلس السيادة، عبدالفتاح البرهان، في كلمته إلى السودانيين، أمس الاثنين، الأبواب من خلال تأكيد «تحقيق حلم السودانيين بالتحول الديمقراطي حتى تسليم القيادة إلى حكومة مدنية»، وأيضاً تشكيل «حكومة كفاءات وطنية ستتولى تسيير أمور الدولة حتى الانتخابات المقررة في يوليو/ تموز 2023». وهذا يعني أن العسكر لن يتولوا السلطة، وأن حكومة مدنية هي من ستتولى ذلك، في تأكيد على بقاء العسكريين خارج دائرة القرار.

وقول البرهان إن ما يمر به السودان «بات خطراً حقيقياً»، ما هو إلا توصيف للوضع الذي وصل إليه جراء الخلافات التي وقعت بين مكونات الثورة، ما بات يشكّل خطراً فعلياً على السودان.

على القيادات السودانية، العسكرية والسياسية، ومعها «قوى الحرية والتغيير»، و«تجمع المهنيين»، أن تدرك خطورة الوضع، وتضع مصلحة السودان كأولوية مطلقة، وعدم الانجرار إلى المواقف المتطرفة، والعودة إلى الحوار والحكمة والتعقل، كملاذ وحيد لضمان عدم سقوط الثورة السودانية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"