د. حسن مدن
الثقافة فعل تراكمي، يبدأ بخطوات تأسيسية فاصلة تؤسس تقاليد لاحقة في البناء الثقافي، وتعطي نتائجها على مدار أجيال وأجيال. ولنا في معرض الشارقة الدولي للكتاب وسواه من المشاريع الثقافية المهمة في الإمارة خير مثال.
كثيرون جداً من زوار المعرض اليوم لم يكونوا قد ولدوا بعد حين انطلق المعرض في دورته الأولى، بل لعلهم اليوم أكثرية هؤلاء الزوار، أي ممن لم يعايشوا تجربة ولادته، واستقبال الجمهور له، ومع ذلك فإن علاقتهم بالمعرض قوية لا تقل، بل وتزيد، عن علاقة من عاصروا ولادته، أخذاً بعين الاعتبار ترسخ مكانة الكتاب في نفوس الناس وأذهانهم واتساع قاعدة المتعلمين والقرّاء، وتطور صناعة الكتاب نفسه وطرق عرضه.
يحقّ للشارقة أن تفخر بهذا المنجز الثقافي المهم الذي أسس لتقاليد جديدة غير مسبوقة، حيث غدا معرضها الدولي للكتاب واحداً من أكبر ثلاثة معارض في العالم، وغداً تنطلق دورته الأربعون تحت الشعار الدال: «هنا.. لك كتاب».
أربعة عقود مرت، أربعون عاماً، وللكتاب عرسه البهيج في مثل هذا الوقت من كل عام، يقصده عشاق الكتاب والقراءة والثقافة لا من دولة الامارات وحدها، وإنما أيضاً من الأقطار الشقيقة المجاورة، وإليه يأتي صنّاع الثقافة ومبدعوها من أدباء وشعراء ومترجمين ونقّاد وصحفيين، من مختلف بلدان العالم، تأكيداً لا على وحدة الثقافة في العالم، وإنما أيضاً على تنوعها المثري لفضاءاتها. ولنا في ضيوف هذه الدورة خير مثال، فإلى المعرض يأتي فائزون بجوائز نوبل للآداب والبوكر وصناع أشهر النصوص الدرامية عرباً وأجانب.
لم يعد معرض الشارقة الدولي للكتاب، كما يؤكد منظموه في هيئة الشارقة للكتاب، مجرد معرض لاقتناء الكتب وحضور الجلسات الحوارية النقاشية، وإنما هو «مشروع ثقافي متكامل يقود صناعة النشر في الإمارات والمنطقة، ويفتح أبواب التواصل المتكافئ بين الثقافة العربية ونظيرتها من ثقافات العالم، في الوقت ذاته يبني أجيالاً من القراء، ويعزز من ارتباطها بالكتاب، انطلاقاً من حقيقة أن الأمم تنهض بعقول أبنائها، ووعي الفرد في مجتمعه هو أولى لبنات النهوض والارتقاء الحضاري».
خلف هذا المنجز الثقافي المهم تقف الرؤية الحكيمة وبعيدة النظر للرجل الذي إليه يعود الفضل في إطلاق فكرة المعرض ومتابعة تنفيذها واستمراريتها، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي أدرك مبكرأً ما للثقافة من دور حاسم في بناء الإنسان والأوطان، وحوّل هذا الإدراك إلى سلسلة متواصلة، مترابطة، من المشاريع الثقافية والتعليمية التي تبدو في منجزات ماثلة أمام الأعين في مختلف أرجاء الشارقة.
[email protected]