هل هناك «عدالة تجاريّة»؟

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، حينما تمّ تأسيس منظمة التجارة العالمية، ومنذ أن تمّ الترويج لما سمّي تكافؤ الفرص في العلاقات التجارية الدّولية، يعيش العالم اختلالاً كبيراً جداً في الاستحواذ على الأسواق، وفي المنافسة غير العادلة بين الاقتصادات الكبرى والناشئة والصّغرى. في السنوات الأخيرة بدأنا نعيش على وقع «حرب تجاريّة» بين القوى العظمى بلغت حدّ فرض عقوبات متبادلة بين الصين وأمريكا على خلفية ملفّات شائكة تتعلق بعدم التوازن في المبادلات التجارية أو لنقل غياب «العدالة التجارية»؛ حيث تتهم الولايات المتحدة الصين بالسعي إلى إغراق الأسواق بالبضائع الصينية، ومخالفة أحكام منظمة التجارة العالمية. وفي أوروبا تصاعدت الأصوات الرافضة لسياسة الزحف التجاري التي تمارسها الصين، والتي حوّلت أوروبا إلى أكبر سوق للبضائع الصينية، ما أثّر على الصناعات المحلّية، التي بات أغلبها يفضّل الهجرة إلى دول أقل كلفة. ولكن في الصراع الدّائر بين تلك القوى يجري طحن الاقتصادات الصغرى والناشئة، في ظلّ اختلال موازين القوى بين «المراكز» القويّة متعدّدة مظاهر النفوذ، وبين الأخرى التي لم تعد قادرة على مسايرة نسق التجارة العالمي أو حتى الإقليمي، وباتت تطالب بمراجعة الاتفاقات الموقّعة بعد أن تبيّن أنّ تلك الاتفاقات ظالمة ومحطّمة للاقتصادات الصغرى.
 الجزائر، على سبيل المثال طالبت بمراجعة الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، بسبب ما أسمته انعدام «العدالة» في المبادلات بين الطرفين. ولا يخلو هذا الطلب من مؤثرات سياسية، بسبب الخلافات بين باريس والجزائر، والتي ارتفعت حدتها في الآونة الأخيرة، وبسبب تمدّد مشروع الطريق والحزام الذي تنفذه الصين، إلى السواحل الجنوبية للمتوسط، ما يخلق لدول المنطقة بدائل تجارية، قد تغنيها عن منطق الأحادية الذي سيطر على العلاقات الأوروبية مع دول حوض جنوب المتوسط. 
 ويُجمع خبراء وعارفون بالاقتصاد، على أن اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي كان غير عادل لصالح الأوروبيين طوال سنوات، نتيجة استفادة المنتجات الأوروبية من إعفاءات جمركية عادلت 30 مليار دولار، ودخول منتجات فاقت قيمتها 200 مليار دولار للسوق الجزائرية منذ دخول الاتفاقية حيز التطبيق، مقابل عراقيل وحواجز بالجملة يصطدم بها المنتج الجزائري قبل دخوله السوق الأوروبية، ما عدا المحروقات. ودعا الخبراء إلى ضرورة التركيز في مراجعة بنود الاتفاقية التي أمر بها الرئيس عبد المجيد تبون إلى إعادة صياغة 52 مادة مرتبطة بحرية تنقل البضائع وتصدير واستيراد الخدمات من إجمالي 110 مواد، وملحقين خاصين باستيراد المنتجات الزراعية والصناعية من ضمن 6 ملاحق وبروتوكولين خاصين بالمنتجات الفلاحية من إجمالي 7 بروتوكولات.
 وفي تونس، تتصاعد الأصوات مطالبة بفرض تغييرات جوهرية على الاتفاقيات التجارية الموقعة بين تونس وتركيا من جهة، وبين تونس والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. وانتشرت في السنوات الأخيرة عبارة «التتريك» في إشارة إلى غزو البضائع التركية، بما في ذلك المنتجات الزراعية والغذائية، الأسواق التونسية، مما أدى إلى إفلاس عدد من الشركات التونسية نتيجة سياسة الإغراق التركية ونتيجة لخرق بنود الاتفاقية؛ حيث تعمل الشركات التركية على تقليد علامات تونسية ناجحة، وتعمل على ترويج منتجات تركية تحمل نفس الاسم التونسي، بل إنها في بعض الحالات استولت على أسماء منتجات تونسية لتصدرها للسوق الليبية؛ لمعرفتها برواج تلك المنتجات في ليبيا. أما اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، فتبدو ظالمة للاقتصاد التونسي، ويمكن إيجازها في تسجيل عجز في الميزان التجاري مع أوروبا ب14.8 مليار دولار، وفي إفلاس نحو 10 آلاف مؤسسة صغرى منذ العام 1996، وخسارة 400 ألف مواطن وظائفهم بسبب هذه الاتفاقية بحسب تقرير للبنك الدولي.
 ومع حلول جائحة «كورونا» زاد الوضع سوءاً بالنسبة للاقتصادات الصغرى، مما يفرض على تلك الدول أن تعيد تقييم علاقاتها التجارية، وأن تطالب «بعدالة تجارية» وبعلاقات أكثر إنصافاً للجميع.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"