الإمارات ونموذج البناء السياسي

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

د. ناجي صادق شراب

تتعدد وتتباين نماذج البناء السياسي من دولة إلى أخرى ومن حالة إلى حالة، وكل نموذج يعكس الخصائص الذاتية. ولا يمكن في السياسة رؤية نموذجين متطابقين.
 ما يعنينا هنا هو النموذج الذي قدمته الإمارات، والذي يعد نموذجاً ناجحاً؛ إذ تقدم الإمارات من خلاله نموذج الدولة الناجحة في البناء السياسي الشامل، وهذا دليله المواقع المتقدمة التي تحتلها الإمارات في المؤشرات العالمية في مجالات الرفاه والتسامح والخيرية الإنسانية والاستقرار ومؤشر الحوكمة الرشيدة ونموذج التنمية المستدامة والاستقرار والسلم الأهلي. وهذه المؤشرات لم تأتِ من فراغ؛ بل هي نتاج رؤية سياسية شاملة وواضحة للمستقبل المستند على أصالة الماضي وواقع الحاضر ومتطلبات المستقبل، وتفهماً لإمكانات القوة المتاحة والممكنة، وفي كيفية توظيف الثروة في بناء الدولة. 
 وهذه هي رؤية المؤسس الأول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي تشكل نموذج القيادة الرشيدة صاحبة الرؤية الشمولية، ومن خلال مختلف النماذج العالمية نجد أن القيادة هي أول مكون ناجح لأي نموذج سياسي، وما يميز القيادة في الإمارات هي الروح الجماعية على مستوى الدولة، فالمجلس الأعلى للحكام وهو البنية الرئيسية لصنع القرار يعمل في إطار الكل الواحد، والسمة الأخرى هي الانفتاح على المواطنين، وهذا يعد شرطاً رئيسياً للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبناء نموذج للحكم يجسّد بيئة النظام بكل متغيراته ومعطياته السريعة التحول، وهذا ما نلحظه من تواصل مباشر ومن تمكين سياسي شامل للمواطن في الدولة للمساهمة في صنع القرار والسياسة العامه وتولي أعلى المناصب. وما كان هذا ليتحقق من دون الاستثمار في هذا الإنسان، وهو الذي قال عنه المغفور له الشيخ زايد إنه أغلى استثمار. 
 ثم هناك دور القيادة في العمل على توفير البيئة السياسية التي تسمح بالمشاركة والإبداع والإنتاج، ويقابله النموذج التنموي المستدام، ببناء بيئة تعليمية وصحية وبنية تحتية شاملة، وهذا هو العنصر الثاني للنموذج. والعنصر الثالث هو المواطن المنتمي لوطنه والفاعل والإيجابي. هذه العناصر الثلاثة؛ القيادة والبيئة والمواطن تشكل المحددات الداخلية لقيام الوطن النموذجي. ولا تكتمل عملية البناء والنموذج إلا بتوافر منظومة من القيم والثقافة السياسية التي توفر الحماية والمظلة لنجاح النموذج. 
 هذه المنظومة لا تلغي الماضي وتراثه وأصالته؛ بل تضيف عليه مواكبة منظومة القيم الإنسانية والانفتاح على الحضارات، ولعل من أهم هذه الصور وثيقة الأخوة الإنسانية المشتركة التي جمعت بين شيخ الأزهر الشريف وبابا الفاتيكان، والبناء الإبراهيمي ورؤية السلام التي تتبناها الدولة، إضافة إلى الدور الإنساني الذي تقدمه الدولة من مساعدات إلى مختلف دول العالم دون أي تمييز. العنصر الآخر المهم في بناء هذا النموذج هو الرؤية المستقبلية لدور الدولة ومكانتها ومواكبتها للتطورات التكنولوجية فهي تسابق الزمن لتعيش وتتواصل مع الثورة المستقبلية المتسارعة لتجد نفسها في قلبها، كما في ريادة الفضاء وثورة الذكاء الاصطناعي. ولعل معرض إكسبو يلخص هذا النموذج الإماراتي الذي جمع العالم كله في إمارة دبي، وليترجم المعنى الحقيقي للكونية العالمية. وقد اعترف العالم بنجاح هذا النموذج وعلامات النجاح تعلن عنها المؤشرات العالمية التي تضع الدولة دائماً في مقدمة الدول.
[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/vbw9dtah