البناء العلمي للثقافة

01:59 صباحا
قراءة دقيقتين

عبداللطيف الزبيدي

ماذا بعد الحديث عن أن «المناهج بنية تحتية للثقافة»؟ أهمية القضية هي أن نعلم إلى أي مدى ستتطور أنظمة التعليم، حتى نيقن أن مكونات ثقافة الغد، ستشكل نموذجاً فكرياً عصرياً. مثلاً: قبل ألف عام، كان الأدب يعني الثقافة العامة: «الأخذ من كل شيء بطرف». في القرن الرابع الهجري، كان من يريد أن يكون مثل الجاحظ، أن يحيط بكل بيان وتبيين في الشعر والنثر وعلوم اللغة، نحواً وصرفاً وبلاغة، أن يلمّ بالتفسير والحديث والمذاهب، بعين معتزلية طبعاً، أن يكون حديقة نوادر وموسوعة حيوانات، له ما يقول في الطب والفلك والأنساب والتاريخ ومعالم البلدان وفلسفة اليونان.

ظلت تلك «المواصفات الثقافية» سائدة حتى أواخر القرن التاسع عشر. يجب الاعتراف بأن النموذج الفكري الذي هيمن على العقل العربي، كان شديد الوطأة إلى حد أنه كان كالثقب الأسود، الذي لا يسمح حتى للضوء بالانعتاق. جاء ابن رشد بتنوير لا مثيل له في تاريخنا، محظوظ، نجا بجلده، فكتبه راحت فداه. الغرب تلقف أفكاره، كان ظامئاً إلى النور في ظلمات القرون الوسطى. ابن خلدون، جنرال فرنسي نفض عن أنوار فكره الغبار، وسار أرنولد توينبي على خطاه.

ذكر هذا ضرورة، لأن العقل العربي لن يستطيع دخول المستقبل بالنموذج الفكري التقليدي القديم. السبيل الوحيد لعدم الضياع غداً في الزحام العلمي العالمي، هو رسوخ الأقدام، أي الأقدام الافتراضية، الأقدام الرقمية، أقدام الواقع المعزز، أي أقدام الخلايا العصبية وتشابكاتها، وأقدام الخلايا العصبية الاصطناعية. يجب أن تكون الخصوصية قوية وصلبة إلى حد قدرتها على مقاومة كل أشكال الامّحاء والذوبان.

ما يهم إدراكه، هو أنه لا توجد قوة تقدر على تغيير إطارك الفكري، لا أحد يستطيع أن يملي عليك منظومة قيمك. لكن، على السمكة أن تدرك أنها لا تقوى على تغيير البحر، أمّا طريقة عيشها وسباحتها فأمر ممكن. يبقى أن السمكة غير محتاجة إلى الابتكار والاختراع والإبداع والتنمية الشاملة. الإنسان مستوى آخر من المقاييس. السردين سردين والقرش قرش، ولو بعد ملايين السنين. أمّا الدول فليست بالأحجام فقط. هنا تلعب الثقافة دورها وتؤدي رسالتها، وهنا يتجلى الفكر التربوي الذي يقوم عليه بنيان المناهج.

لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: من دون أن يشعر المثقفون، تتحرك لوحات تكتونية مستقبلية لتغيير بنى الثقافات بالعلوم. هنا عبقرية الحفاظ على الخصوصية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/5buknnua