«تا» اللبنانية وعبد الوهاب

00:21 صباحا
قراءة دقيقتين

بحث سريع على بعض المواقع يظهر أن الحكاية التي سنأتي عليها أدناه، وردت، بنفس المفردات والسياق، في مقالات متنوعة، بعضها مذيل أو مسبوق باسم من كتبه في صحف عربية مختلفة، بينها «الدستور» الأردنية، و«النهار» اللبنانية وغيرهما، وتتصل بأغنية لفيروز كتب كلماتها زوجها عاصي الرحباني، ولحّنها الموسيقار محمد عبدالوهاب.
لكن ناشري الحكاية، رغم تواتر نشرها وتتاليه، لم يشيروا أبداً إلى المصدر الذي استقوا منه الحكاية، ومن رواها أول مرة، وأخرجها من دائرتها المحدودة لتظهر إلى العلن وبنطاق واسع، كأن يكون واحد من الثلاثة الذين أبدعوا الأغنية رواها في مقابلة صحفية أو تلفزيونية أو إذاعية معه مثلاً، وهو أمر مستبعد حين يدور الحديث عن فيروز بالذات، قليلة الكلام في مقابلاتها الإعلامية النادرة.
بعض الحكايات، لفرط جمالها وعذوبتها، يصح أن نقول عن من رووها: «صدق الرواة وإن كذبوا»، في تنويع عكسي على القول الشهير: «كذب المنجمون وإن صدقوا»، وليست غايتنا من هذا التشكيك في صدقيّة الحكاية، فلعلها حقيقية بالفعل، وربما هذا المرجح، لكنها حتى لو لم تكن كذلك ففيها من التماسك والجاذبية ما يؤهلها لأن تكون.
الأغنية المقصودة في الحديث هي أغنية فيروز الشهيرة: «اسهار»، ويقال إن عبد الوهاب في إحدى زياراته للبنان كان ضيف سهرة في منزل عاصي وفيروز، وحين تهيأ لمغادرة المنزل في نهاية السهرة، سعى عاصي لإقناعه بالبقاء لفترة أطول، قائلاً له بالدارجة اللبنانية: «سهار بعد سهار تا يحرز المشوار»، ليقف عبد الوهاب في مكانه ويطلب من عاصي إكمال ما قاله، فيتابع الرحباني قائلاً: «كتار هو زوار/ شوي وبيفلّوا/ وعنّا الحلا كلّو/ وعنّا القمر بالدار/ ورد وحكي وأشعار/ بس اسهار».
غادر عبد الوهاب منزل مضيفيه، ولكنه لم ينم، بل سهر الليل وهو يلحن الكلمات التي ارتجلها عاصي الرحباني، وفي اليوم التالي قصد منزل عاصي ليسمعه ما لحّن، قبل أن يضيف عاصي تتمة لما ارتجله البارحة، بالكلمات التالية: «بيتك بعيد وليل ما بخلّيك ترجع/ أحقّ الناس نحنا فيك/ رح فتّح بوابي/ وإنده على صحابي/ قلّن قمرنا زار/ وتتلج الدني أخبار/ بس اسهار/ والنوم مين بينام غير الولاد/ بيغفوا وبيروحوا يلملموا أعياد/ ما دام إنّك هون/ يا حلم ملوا الكون/ شو همّ ليل وطار/ وينقص العمر نهار/ بس اسهار»، لتغنيها فيروز.
في الحكاية تتمة فاتنة. فحين سُئل عبد الوهاب عمّا أعجبه في الكلمات، أجاب: إنه حرف «تا»، الوارد في عبارة «تا يحرز المشوار». إنه حرف واحد أو حرفين اختزلا كلمة «علشان»، مبدياً إعجابه ب «رشاقة العامية اللبنانية».
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"