محمد الفيتوري.. الصحفي

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

كالعادة، يذكّرنا «جوجل»، من وقت إلى آخر، بل، في أوقات متقاربة برموز ثقافتنا العربية من شعراء وروائيين، ومسرحيين ونقّاد وفنانين في ذكرى ميلادهم أو رحيلهم، وعلى رغم أن هذا التذكير يأتي موجزاً ومكثّفاً في إطار مناسبته، إلاّ أنه على درجة كبيرة من الأهمية حين يصبح الشاعر أو الروائي أو الفنان حاضراً وَمُستعاداً ولو بصورة رمزية بعيداً عن الإهمال والنسيان، وما أكثر الكتّاب والأدباء والفنانين العرب الذين طواهم النسيان، ولم تعد الصحافات الثقافية العربية معنية لا من بعيد، ولا من قريب باستعادتهم والتذكير بهم، ولو على نحو سريع، كما يفعل «جوجل» الأكثر وفاء من العرب لرموز ثقافتهم العربية.
الأربعاء الماضي احتفل «جوجل» بطريقته الاستعادية المألوفة بالذكرى الخامسة والثمانين لميلاد الشاعر محمد الفيتوري، السوداني، واللّيبي، والمصري، واللبناني، فقد عاش فترة من حياته في بيروت ألهمته مجموعته المتميزة عن كل تجربته الشعرية «ابتسمي حتى تمر الخيل»، وفي بيروت أيضاً عاش الفيتوري تجربة حب يعتبرها كبيرة، وفي حوار تلفزيوني مع الفيتوري أجراه الإعلامي الثقافي السعودي محمد رضا نصر الله في عام 1994 يقول الفيتوري إن بيروت أعطته الكثير، يسمّيها بيروت الستينات، بيروت الرحابنة العظام، وبيروت التصالح الطائفي والديمقراطية.
غير أن الفيتوري يكشف في ذلك الحوار مع رضا نصر الله عن جانب مهني في شخصيته لا يعرفه الكثير، هو الفيتوري الصحفي. عمل صاحب «أغاني إفريقيا» محرراً أدبياً تحت رئاسة محمد حسنين هيكل، وعمل صحفياً في جريدة الجمهورية وكان يرأس تحريرها الشاعر كامل الشنّاوي، وعمل صحفياً في «الجمهور المصري» برئاسة أبو الخير نجيب، وعندما عاد إلى السودان من مصر في أواخر خمسينات القرن العشرين عمل صحفياً في مجلة كانت تسمى آنذاك «مجلة الإذاعة» أو «أم درمان»، وفي السودان ترأس الفيتوري تحرير جريدة الأمّة، وجريدة التلغراف.
حين أسقط جعفر النميري الجنسية السودانية عن الفيتوري منحه معمّر القذافي جواز سفر ليبياً، وقرّبه، وأكرمه، والفيتوري أصلاً يعود في جذوره العائلية إلى أمه الليبية.
صمت الفيتوري تماماً أمام ما يطلق عليه «الورقة البيضاء» تعبيراً عن الجدب الشعري المطبق، وذلك منذ الثمانينات أو منتصفها، وظل اسمه حياً على أمجاد شخصيته الشعرية التي قامت على قضايا إفريقيا، ومناهضة الطغاة في القارة السوداء، وغيرها من أرجاء الأرض.
ثمة جانب آخر في شخصية الفيتوري يعود إلى منابعه الصوفية، ويعود هذا المنبع بدوره إلى والده الذي يقول عنه إنه كان شيخ السجادة الشاذلية في الاسكندرية.
إذ يحدّثك الفيتوري أو يقرأ شعره في قاعة وجمهور، فإنه لا ينظر إليك مباشرة، بل، يوجّه عينيه إلى نقطة محدّدة عادة ما تكون في الأعلى، وحتى في حواره مع محمد رضا نصر الله لم يكن ينظر إليه، بل كان ينظر إلى نقطة محدّدة في السقف، وهو صاحب إلقاء شعري مذهل بصوته الإفريقي القوي، والأقوى من كل ذلك لغته العربية المتماسكة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"