عادي

بايدن.. وقمة «نعوة» الديمقراطية

22:15 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب - بنيمين زرزور
منذ أن بدأ فريق عمل الإدارة الأمريكية الجديدة في تحضير أجندة قمة الديمقراطية المقرر عقدها الأسبوع المقبل، انهالت الاستفسارات والتساؤلات حول أهلية الولايات المتحدة لقيادة هذا النوع من المؤتمرات، والفرز الذي على أساسه تم استبعاد دول فاعلة، وتوقيت القمة والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها.

«قمة الديمقراطية» التي تعقد يومي التاسع والعاشر من شهر ديسمبر /كانون الأول الجاري، هي أولاً وقبل كل شيء، استجابة لأحد الوعود التي أطلقها الرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية للمساعدة على وقف ما أسماه بالتراجع الديمقراطي وتآكل الحقوق والحريات.

ويعكف الفريق منذ 21 من أغسطس/آب الماضي على وضع جدول أعمال لم تعلن تفاصيله حتى وقت قريب، حيث حرصت الإدارة الأمريكية على تفصيل أجندة تخدم رؤيتها الاستراتيجية لعالم ما بعد كورونا، بينما رأت فيها موسكو التي لم تدع إلى القمة «إمعاناً في تقسيم العالم».

وسوف تستضيف القمة الافتراضية وفوداً من حوالي 110 دول يراها الرئيس الأمريكي ديمقراطية بالقدر الذي يؤهلها للمشاركة. وقد أثارت المعايير التي تبناها بايدن في هذا الصدد جدلاً واسعاً، حيث تشعر الصين، التي لم تتلق دعوة للحضور أيضاً، بالغضب إزاء دعوة تايوان، التي لا تعترف بها الولايات المتحدة حتى كدولة، ولكنها «مفعمة بالديمقراطية» من منظور أمريكي. ولا ينطبق هذا المعيار على دول أخرى مدعوة للقمة، تمارس ديمقراطية شكلية أو لا تمارسها أبداً.

والحقيقة أن معايير الديمقراطية في عالم ما بعد دونالد ترامب، ستبقى محكومة بما فرضته الحركات الشعبوية في الغرب من جدل سياسي حول جدوى النظام الديمقراطي الغربي في ظل تعميق هوة التفاوت الطبقي في تلك الدول، وفشل بعضها الذريع في التعامل مع جائحة كورونا مقارنة مع أداء دول تعتبرها واشنطن «مستبدة».

أما الدولة المضيفة التي كانت القوة العظمى خلال حقبة الحرب الباردة، فتوجه لها اتهامات بالنفاق، وهي تلبس عباءة «الديمقراطية الليبرالية»، وتشهد أحداثاً لا تختلف كثيراً عما يجري في المسلسلات التلفزيونية أو في دول تصنفها واشنطن بأنها «مارقة».

هل أمريكا ديمقراطية؟

وقد كشف التقرير الأخير للمعهد الدولي للديمقراطية ودعم الانتخابات، ومقره السويد، عن حالة الديمقراطية في العالم خلال عام 2021، والذي اتسم بالتشاؤم الشديد. وأعرب المعهد عن قلقه من أن الولايات المتحدة قد سقطت هي نفسها ضحية لنزعات سلطوية، وتحولت إلى مجتمع يتسم بالاستقطاب الشديد ويرفض فيه من يخسر الانتخابات النزيهة، قبول الهزيمة، بل ويسعى إلى نشر الأكاذيب عن «سرقة» الانتخابات.

وقد اعتاد الأمريكيون إعطاء دروس للدول الأخرى بشأن قمع الناخبين والعنف السياسي. أما اليوم، فهم يمثلون الطرف الذي يتعين عليه أن يقدم تفسيرات لما يحدث في بلادهم.

ولا شك في أن التراجع الديمقراطي ليس ظاهرة أمريكية فحسب، بل يحدث في كل مكان، تاركاً الساحة لمزيد من الطغيان، كما هي الحال في ميانمار، وأفغانستان، وبيلاروسيا، أو انزلاق تدريجي نحو الاستبداد- كما هي الحال في المجر التي لم تدع أيضاً إلى قمة بايدن.

وبينما يعيش حوالي ثلثي العالم في ظل نظم استبدادية، أو نظم ديمقراطية شكلية، تستشري ظاهرة الفساد، ويرتبط بها فقدان الثقة ولا مبالاة الناخبين. وتتفاقم المشكلة لتتحول إلى تفكك تدريجي للضوابط والموازين، مثل استقلال القضاء، كما هي الحال في بولندا (المدعوة، رغم ذلك، لحضور القمة). وقد زادت جائحة كورونا الأمر سوءاً، حيث وفرت للمستبدين قدراً كبيراً من المبررات لفرض مزيد من القيود التعسفية.

وسط هذا اللغط تبرز الأهداف المعلنة للقمة على شكل مصابيح تنير طريق التحول الشامل في العالم. فهي فرصة مهمة للحديث الحماسي للبقية الباقية من الديمقراطيين من النشطاء، والزعماء المدنيين، والساسة أصحاب النوايا السليمة. ويراد للقمة أن توجه دعوة حاشدة للدول الليبرالية للدخول في تحالف تقوده أمريكا ضد القوى الاستبدادية. وقد اعتبر بايدن نفسه هذه القمة بأنها «صراع عالمي بين الديمقراطية والاستبداد».

وسوف تدرك الديمقراطيات التي تحتشد في القمة، وبينها أمريكا، أنها جميعاً تواجه معاً نوعين من الأعداء أحدهما معروف وهو العدو الخارجي، ويتمثل في نظم غير ديمقراطية مثل روسيا والصين، ويتمثل الثاني في الذين تنكروا لقضايا الحرية والديمقراطية أو سقطوا على الدرب.

وتشعر روسيا بالقلق بسبب انعقاد هذه القمة، التي تعتبرها محاولة لتقسيم العالم إلى جزء ديمقراطي وجزء غير ديمقراطي. كما أنها ترى أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق الديمقراطية في أفغانستان والعراق وتسببت في تخريب كلا البلدين.

وإذا صحت التسريبات التي نشرتها مجلة «بوليتيكو» حول أعمال القمة فسوف تركز واشنطن، من بين ما تركز، على قضية حرية شبكة الإنترنت. فقد وضع المسؤولون الأمريكيون قائمة بالالتزامات المحتملة التي يمكن أن تقدمها البلدان الأخرى، مثل زيادة الأموال لبرامج محو الأمية الإعلامية أو سن ضوابط التصدير على بعض التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.

تعهدات محتملة

وقال ستيفن فيلدشتاين، من مؤسسة كارنيجي: «إن رمزية التجمع مهمة، لكن التغيير الفعلي على الأرض الذي ستحققه القمة يبقى رهن المناقشات والقرارات التي تصدر عنها. هناك الكثير من الأسئلة الكبيرة المطروحة على الطاولة والتي لن تتمكن القمة، وهي الأولى، من معالجتها».

وفي إطار تبادل الأفكار، توصل مسؤولو الإدارة إلى «قائمة توضيحية للخيارات» فيما يتعلق بالالتزامات التي يمكن للولايات المتحدة أن تسعى إليها من مختلف البلدان المدعوة إلى الاجتماع. تتضمن تلك الوثيقة مجموعة من التعهدات المحتملة التي تندرج تحت الموضوعات الرئيسية الثلاثة للقمة: مكافحة الفساد، والدفاع ضد الاستبداد، والنهوض بحقوق الإنسان.

بقي أن نشير إلى أن القمة تجاهلت دعوة منظمات المجتمع المدني حول العالم، حيث أعدت مجموعة من قادة المنظمات غير الحكومية والنشطاء الآخرين مسودات الرسائل والمذكرات التي ترسلها للقمة وتهدف إلى الضغط على البيت الأبيض لإشراكهم ومنحهم مزيداً من الوقت للحديث خلال القمة. لكن يبدو أن جزءاً كبيراً من وقت الحدث الافتراضي مخصص لخطب مدة كل منها ثلاث دقائق، يلقيها قادة الوفود المشاركة، ولن يكون فيها متسع لتلك المنظمات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"