الإمارات وأولويات البحث العلمي

00:14 صباحا
قراءة 4 دقائق

د.إدريس لكريني

أثبتت التجارب العالمية الرائدة أن الاستثمار في حقل البحث العلمي هو رهان رابح بكل المعايير والمقاييس، فهو السلاح الحقيقي الكفيل بمواجهة كل التحديات والمخاطر بكل جاهزية، سواء بالنسبة للحاضر أو المستقبل، فهو الكفيل بعقلنة القرارات وتجاوز كل مظاهر العشوائية والارتجال عند اتخاذ مختلف القرارات.

وقد أثبتت التداعيات الكبرى التي خلفتها جائحة كورونا على عدة صعد ومستويات، أهمية هذا الخيار كسبيل لتعزيز جهود التنمية المستدامة، فالدول التي راهنت على البحث العلمي استطاعت أن تحقق مجموعة من المنجزات والمكتسبات في عدد من المجالات الإدارية والصناعية والتقنية، كما حققت الكثير من التقدم على مستوى تعزيز الأمن الإنساني.

وتمثل دولة الإمارات العربية المتحدة نقطة ضوء في المنطقة، على هذا المستوى، وهو ما تبيّنه الكثير من التقارير والمؤشرات والإحصائيات الدولية ذات الصلة، والتي تعطيها مكانة متميزة في هذا الخصوص.

إن ما حققته الإمارات من منجزات هائلة في مختلف المجالات، لم يكن صدفة بل جاء ذلك نتيجة لمجموعة من المبادرات والخيارات التي استأثر فيها البحث العلمي بأولوية قصوى، فالقطاعات الوزارية تستند في جزء كبير من عملها وأدائها إلى مخرجات مراكز الأبحاث والدراسات في صناعة قراراتها وإرساء استراتيجياتها وسياساتها المختلفة.

تزخر دولة الإمارات بعدد مهم من مراكز الأبحاث التي تحتضن الكثير من الكفاءات في مختلف المجالات والتخصصات، سواء تعلق الأمر بمراكز مستقلة أو تلك التابعة للمؤسسات الجامعية أو عدد من القطاعات الحكومية، وهي تحظى باهتمام ودعم حكومي كبير، كما توفر لها الدولة الإطار القانوني اللازم للإبداع والاجتهاد، وهوما جعلها تحتل مراكز متقدمة ومحترمة من ضمن المراكز المعروفة عالمياً في شتى المجالات والحقول العلمية والمعرفية.

علاوة على مساهماتها في تنوير صانعي القرار بمعطيات ومعلومات تدعم عقلنة عملية اتخاذ القرارات، لا تخفى أهمية هذه المراكز في تنوير المجتمع، وتنشئته، وخدمة الباحثين والخبراء، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، سواء عبر الشراكات التي تنسجها وتتيح لها تبادل الخبرات والتجارب واستقبال باحثين أكفاء من مختلف أنحاء العالم وتحفيزهم على الإبداع والعطاء، أو على مستوى تنظيم اللقاءات والمؤتمرات العلمية، وإصدار التقارير والدراسات والمؤلفات.

وفي هذا السياق، يبدو أن الدولة تنظر بعين استشرافية منفتحة على المستقبل وتراهن كثيراً على هذا المقوم في تحقيق التنمية وعدد من المكتسبات. ففي عام 2018 تم إطلاق «أجندة الإمارات للعلوم المتقدمة 2031» التي تقوم على استثمار البحث العلمي في بلورة حلول مستدامة لعدد من الإشكالات، وفي تطوير الاقتصاد، ثم استراتيجية 2021 للعلوم المتقدمة التي تستمد مقوماتها منها.

لا تتوقف دولة الإمارات عن تحفيز الكفاءات على المزيد من البذل والعطاء، وتوفير الشروط المناسبة للاشتغال في هذا الصدد، وتوجد فئة الشباب باعتبارها عصا الرحى بالنسبة للعملية التنموية، في عمق هذه الأولوية، من خلال العمل على تطوير كفاءاتهم في هذا الخصوص، وتمكينهم من مقومات الابتكار والاجتهاد، ففي عام 2020 تم تأسيس مركز الشباب العربي، وإطلاق مبادرة مجلس الباحثين الشباب العرب، كسبيل لتشجيع البحث العلمي في المنطقة، واستثمار إمكانيات الشباب العربي وتوجيه طاقاتهم وتحفيزهم على العطاء خدمة للتنمية.

ونتيجة لهذه الجهود، فقد أبرزت الجداول السنوية لمؤشر «نيتشر» برسم سنة 2021، حصول تقدم ملموس لدولة الإمارات العربية المتحدة بأربعة مراكز ضمن قائمة الخمسين العالمية للدول الأكثر حصّة على مستوى الأبحاث العلمية، حيث بلغت المركز الرابع والأربعين، فيما تموقعت في الرتبة الثانية على المستوى العربي، والمركز الخامس على مستوى بلدان غرب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في هذا الخصوص.

وفي نفس السياق، شهدت المؤسسات الجامعية في البلاد تطوراً كبيراً، على مستوى جودة المناهج والبنيات التحتية والبرامج والمضامين وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، ما جعلها تحظى بمراتب متقدمة على المستوى العالمي، فقد تمكنت هذه المؤسسات، وبفضل مجهوداتها البيداغوجية والعلمية من رفع حصتها ضمن أفضل الجامعات عالمياً من ثماني جامعات في تصنيف «كيو إس» إلى عشر مؤسسات جامعية، لتتموقع ضمن أفضل 750 جامعة على المستوى العالمي برسم عام 2022.

إن هذه المنجزات التي تمثل بريق أمل في المنطقة العربية التي يرزح الكثير من بلدانها تحت ضغط العديد من الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، ما هي في حقيقة الأمر إلا ترجمة لجهود مبذولة، ولرؤية استشرافية تعبر عن الثقة في العلم والاستثمار في بناء الإنسان، كما أنها نتاج لتظافر جهود عدد من الباحثين والخبراء، لجعل هذه المراكز والمؤسسات الجامعية بمثابة منارات علمية جاذبة لعدد من الكفاءات عبر العالم، وفضاءات لتعزيز البحث العلمي خدمة للمجتمع.

وبفضل هذه الخيارات، استطاعت دولة الإمارات، أن تحقق الكثير من المنجزات على المستوى الصناعي والاقتصادي، وتكسب رهانات التنافسية في هذا الصدد، علاوة على توظيف التكنولوجيا الحديثة بشكل مكثف ومحوكم في مختلف المجالات الإدارية والتعليمية والبحثية والخدماتية.. في إطار من الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

استطاعت دولة الإمارات أن ترسي تجربة واعدة، فيما يتعلق بتطوير البحث العلمي، واستثمار مخرجاته كعنصر أساسي من عناصر القوة الناعمة، وتوظيفها بشكل ذكي في تحقيق مجموعة من المكتسبات الداخلية والخارجية، وهو ما يجعلها تجربة نموذجية جديرة بالاقتداء في عدد من الدول التي ما زالت تنظر للبحث العلمي كترف وليس ضرورة.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"