حقوق الإنسان في عالم مرتبك

00:09 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

احتفى العالم قبل أيام بذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهي مناسبة للوقوف على ما حققه المجتمع الدولي من إنجازات في سبيل حماية الإنسان، وحفظ كرامته، وعلى مختلف التحديات التي ما زالت مطروحة في هذا الصدد.
 وظلّ الفرد مستبعداً من اهتمامات القانون الدولي، غير أن تنامي الخروق، والنزاعات المسلحة وما خلفه ذلك من مآس ومعاناة إنسانية على امتداد مناطق مختلفة من العالم، إضافة إلى جهود فلاسفة عصر الأنوار والمفكرين وفقهاء القانون، علاوة على المبادئ التي رسختها الثورة الفرنسية ونظيرتها الأمريكية في هذا الصدد.. أسهمت في تزايد الاهتمام بالفرد على المستوى الدولي.
لقد تطورت الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان في العقود الأخيرة، فإضافة إلى الدور  الذي تلعبه السبل الوطنية في علاقتها بالتشريعات والقضاء وهيئات المجتمع المدني في هذا الخصوص، تقوم أجهزة الأمم المتحدة  بجهود مهمة في هذه الحماية على المستوى العالمي، فيما تزايدت أهمية هذه الحماية على المستويات الإقليمية.
 ولا تخفى أهمية الجهود الوطنية لحماية حقوق الإنسان، والتي تتركز إجمالا في الآليات المتصلة بالدستور والتشريعات المختلفة، والقضاء والمجالس والمؤسسات المختصة، إضافة إلى دور المجتمع المدني والإعلام.
غير أنه وبالنظر إلى عالمية حقوق الإنسان، وتزايد الاهتمامات الدولية بالموضوع من منطلق مقاربات قانونية مؤطرة بتشريعات واتفاقيات دولية متعددة، تتجاوز البعد الأخلاقي والفلسفي، وبروز مجموعة من الوقائع التي تؤكد محدودية الحماية الداخلية في صدّ الانحرافات والانتهاكات المختلفة التي تطال حقوق الإنسان وحرياته في عدد من مناطق العالم، برزت أهمية الحماية الدولية التي يمكن تصنيفها إلى آليات تعاقدية محدثة بموجب اتفاقيات ومعاهدات دولية أشرفت عليها الأمم المتحدة، كسبيل لمواكبة امتثال الدول الأعضاء لمقتضياتها، كما هو الأمر بالنسبة إلى اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، واللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
 واهتم ميثاق الأمم المتحدة بحماية حقوق الإنسان، وجعل من هذه الأولوية هدفاً للمنظمة، وهو ما ترجمته ديباجة الميثاق التي أكدت احترام حقوق الإنسان الأساسية وكرامته .
كما تتعدّد الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية التي تعنى بحماية حقوق الإنسان؛ فعلاوة على ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هناك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم..
 لا أحد ينكر الدور الكبير الذي أصبحت تلعبه المنظمات الدولية بمختلف أشكالها، على مستوى تشبيك العلاقات وتعزيز السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان، وتقوم المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجهود كبيرة في هذا الصدد.
وعلاوة على الجهود الأممية، هناك حماية دولية في الإطار الإقليمي وهي تتدرج من حيث الأهمية والنجاعة من النظام الأوربي (ظهر عام 1949 أفرز اتفاقية روما عام 1950 لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومحكمة أوروبية لحقوق الإنسان بستراسبورج في فرنسا)، إلى النظام الأمريكي (وهو يقوم في أساسه على ميثاق بوجوتا لعام 1948 الذي تمخضت عنه المنظمة الأمريكية، وعلى الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 1969 ثم المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان..) وصولاً إلى النظام الإفريقي (مع إقرار الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب عام 1980 وإحداث محكمة إفريقية لحقوق الإنسان عام 2000).. فيما ما زال النظام العربي دون الانتظارات والتحديات المطروحة.
 ورغم الجهود التي راكمها «المجتمع الدولي» على مستوى سن التشريعات والمعاهدات الدولية المتصلة بحماية حقوق الإنسان، ونص مختلف دساتير وتشريعات دول العالم على حمايتها، تشير الكثير من تقارير المنظمات الدولية إلى وجود انتهاكات تطال حقوق الإنسان على امتداد مناطق مختلفة من العالم، بخاصة داخل مناطق التوتر في العالم، أو تلك التي تمس بعض الفئات كالمهاجرين وطالبي اللجوء، بما يسائل فعاليّة ونجاعة هذه الحماية، وتتضاعف المعاناة مع تمدّد الجماعات المتطرفة التي لا تتردّد في ارتكاب أفظع الأعمال الوحشية من قتل وتعذيب وتشريد.
 وأضحت الحماية الدولية لحقوق الإنسان ذات أهمية قصوى، وتشير الكثير من المؤشرات والوقائع إلى أن هذه الحماية، شهدت تطورات ملحوظة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، من حيث آلياتها ونجاعتها، غير أنها ما زالت تعرف الكثير من التحديات والإشكالات التي تحد من أهميتها.
[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"