عالمنا العربي في ميزان النسبية

00:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

هل يمكن أن تثير فينا اللوحة الراهنة لعالمنا العربي غير التشاؤم، فعناصر التفاؤل بمستقبل هذا العالم لا تبدو أنها تشير إلى مستقبل أفضل على المديين القريب والمتوسط، أم أننا يجب أن نضع المعطيات الموجودة على الصعد كافة في ميزان النسبية؟ خصوصاً النسبية التاريخية، بعيداً عن جلد الذات غير المُجدي، أو نظرية المؤامرة التي تعفي الذات من طرح الأسئلة الضرورية، كمقدّمة لفهم ما يجري من منظور أشمل، وأعمق، لكننا من أجل بناء نظرة نسبية موضوعية، نحتاج إلى قراءة تقوم في مستويات عدة على المقارنة مع سياقات تاريخية أخرى، ووفق معايير محدّدة، تتعلق بالأسس الرئيسية التي تطوّر وفقها العالم الحديث.

إن مفهوم العالم الحديث مرتبط بشكل جذري وعضوي بالليبرالية، أي بمفهوم الحرية الذي يعدّ أحد المفاهيم الأكثر تعقيداً بين المفاهيم الفلسفية، لكنه أيضاً أحد أكثر المفاهيم القابلة للتحقيق في الواقع، وقد خاضت الدول الأوروبية، قبل أن يصبح هذا المفهوم شائعاً، سلسلة من الحروب الدينية، كانت أبرزها حروب الثلاثين عاماً التي انتهت باتفاقية ويستفاليا، في عام 1648، واحتاجت أوروبا بعدها إلى أكثر من قرن كي تصبح أفكار التنوير مقبولة إلى حدّ ما، ولم يكن من الممكن لهذه الأفكار أن تجد لها مكاناً في الواقع العملي من دون التطور الصناعي الذي عرفته أوروبا، وبدء حلول الآلة في العمل كبديل عن العامل، إضافة إلى السكك الحديدية التي قلّصت مفهوم الزمن، وأسهمت في زيادة تبادل السلع والأفكار، ما يعني بالضرورة أن الليبرالية هي الابنة الطبيعية لنظام معرفي اقتصادي محدّد، وليست مجرد فكرة معزولة عن حقائق الواقع.

 والعالم العربي الذي أخذ بالتشكّل بعد انهيار السلطنة العثمانية، قبل أكثر من قرن، عَرف تاريخاً مطابقاً لمستويات تطوره لحظة الانفصال عن السلطنة، خصوصاً المستوى الاقتصادي البدائي إلى حدّ كبير، مع صراع لعقود من أجل الاستقلال عن الانتدابات الأوروبية، ما يؤكد القول إن تاريخ العرب المعاصر يبدأ بشكل كبير مع استقلال الدول العربية، وبداية ما عرف ب«الدولة الوطنية»، وقد وصلت الكثير من هذه الدول إلى مأزق تاريخي ووجودي، يتمثّل في أحد أوجهه بضرورة بناء مرجعيات جديدة للشرعية والمشروعية، من دون وجود قدرة واستعداد بنيويّين لدى النخب الحاكمة من أجل إحداث هذا التغيير، ما أدى إلى حالة صدام بين القوى الاجتماعية، دفعت بعض الدول إلى حافة الانهيار، وأعادت بعض المجتمعات إلى تبنّي ولاءات سابقة على الدولة الوطنية، الأمر الذي ظهر جلياً مع عودة العصبيات الدينية والطائفية والإثنية والجهوية إلى واجهة المشهد السياسي في عدد من الدول.

 وخلال العقود الأربعة الأخيرة، حدثت تحوّلات كبيرة في العالم، فقد تزامن سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1991، مع ظهور الثورة الصناعية الرابعة، وتطوّر الإرهاب عالمياً (أحداث سبتمبر/ أيلول 2001)، وزيادة الوعي بضرورة النظام الديمقراطي السياسي، وانتشار ثقافة حقوق الإنسان، وزيادة التواصل بين البشر عبر الإنترنت، وسهولة الوصول إلى المعلومات، وغيرها من التحوّلات الكبيرة والسريعة التي عرفها عالمنا، وكان على العالم العربي، إسوة بالشعوب والدول الأخرى، أن يقوم بتحديث بناه الرئيسية من أجل التكيّف مع هذه المتغيرات، ضمن إطار معادلة صعبة، تتمثل في المحافظة على مستوى معقول من الاستقرار من جهة، وإحداث تغييرات بنيوية حقيقية من جهة أخرى.

إن بعض الدول العربية التي لم تتمكّن من فهم المعادلات العالمية الجديدة - وهي معادلات ليست مفصولة عن جذرها الليبرالي- ورفضت إعادة تحديث بناها، وقعت في مطبّ معاندة التاريخ، وإساءة فهم متغيراته، فالمطالب الليبرالية ليست مطالب شعبية وحسب، بل هي إحدى ديناميات التاريخ نفسه، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الإبقاء على الاقتصاد الحكومي الموجّه أيديولوجياً، لم يعد ممكناً في زمن العولمة، كما أن ضعف هياكل الحوكمة تعني بالضرورة حدوث تراجع كبير في الناتج القومي الإجمالي، وتضخّم اقتصادي كبير، كنتيجة حتمية للفساد والهدر، وتراجع منظومة الإنتاج إلى حدود كارثية، واتّساع الفجوة الطبقية، وكلّها عوامل مؤسّسة للغضب الاجتماعي.

 وفي منطق التاريخ، فإن ما شهدته بعض الدول العربية في العقد الماضي، هو نتيجة حتمية، وهذه النتيجة، وعلى الرغم من كارثيتها، فإنها تحمل في طيّاتها بذور القطيعة مع الماضي، ورغبة في إعادة بناء الدول والمجتمعات على أسس حديثة، تتوافق مع المنظومات الاجتماعية والاقتصادية والقيمية للعالم الحديث، كما أنها، ربما، الثمن المطلوب دفعه لبدء تاريخ جديد للعالم العربي، وهو ما يخرجنا من حيز التشاؤم الكلي إلى حيز التفاؤل النسبي بمستقبل أفضل.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"