لماذا لقاء أبومازن - جانتس ؟

00:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

حافظ البرغوثي

انقسم المحللون والمراقبون حول الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى وزير الجيش الإسرائيلي بيني جانتس في منزله ببلدة رأس العين الواقعة على حافة خط الهدنة لسنة 1949 جنوب مدينة قلقيلية. هناك من رأى في الزيارة أنها تطبيع مجاني وكأنه لا يرى الواقع القائم منذ اتفاق أوسلو، وهو تطبيع وتنسيق مستمر نظراً لتداخل الحياة اليومية الفلسطينية مع الاحتلال. بينما رأى البعض الآخر أن الزيارة تأتي لإنقاذ الرئيس الفلسطيني بعد تدهور الوضع المعيشي داخلياً وتوقف الحراك السياسي. وفي الجانب الآخر شنت المعارضة الإسرائيلية حملة ضد جانتس، واعتبر وزير البناء والإسكان زئيف إلكين من اليمين في حديث لإذاعة الجيش الإسرائيلي، أنه «يوجد فرق بين التنسيق الأمني وبين إظهار احترام لشخص يريد وضعك في السجن. وهذا ما فعله جانتس». في إشارة إلى الدعاوى أمام محكمة لاهاي التي تقدم بها الفلسطينيون ضد إسرائيل. وكان الرئيس الفلسطيني في اللقاء اشترط لسحب الشكاوى استئناف المفاوضات مع إسرائيل عند النقطة التي توقفت عندها قبل مرحلة نتنياهو، حيث إن الأخير أوقف المفاوضات، وكذلك خليفته نفتالي بينيت الذي يرفض أي تفاوض مع الفلسطينيين. لكنّ الأمريكيين يجدون في جانتس رجلاً يتفاهمون معه، حيث توترت العلاقات مع بينيت ولم يعد البيت الأبيض يرد على مكالماته.

 وفي زيارته الأخيرة التقى مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان مع بينيت ثم التقى الرئيس الفلسطيني الذي أبلغه أنه لن يضيع وقتاً مع جانتس لبحث المطالب الفلسطينية لأن القرار ليس بيده، وجانتس من جانبه بحاجة لهذا اللقاء أيضاً لأنه المسؤول العسكري عن الضفة ولا يريد المزيد من التوتر فيها. وحذر أبو مازن سوليفان من أن الممارسات الاستيطانية والاقتحامات وهدم المنازل في القدس ستفجر الأوضاع مجدداً خاصة بعد نفاد الموارد المالية للسلطة بسبب شح المساعدات الخارجية، وقيام إسرائيل باقتطاع مئات الملايين بحجة أنها مخصصة لعائلات الأسرى والشهداء، وهذا ما بحثه سوليفان مع جانتس، إضافة إلى تنفيذ ما اتفق عليه سابقاً ولم ينفذ من حيث طلبات تسجيل مواطنين فلسطينيين ليسمح لهم بالسفر والتنقل أي لمّ شمل أكثر من 9500 عائلة وكبح جماح المستوطنين.

 عملياً، السلطة في مأزق جراء انسداد الأفق السياسي أولاً ولعدم وجود شريك مفاوض وانعدام المساعدات الخارجية وتدهور الوضع في القدس مع استمرار سياسة التطهير العرقي وهدم مئات المنازل خلال العام الماضي، وانفلات مجموعات من المستوطنين في كل مكان، حيث تضاعفت هجماتهم دون أن يعمد الجيش الإسرائيلي إلى منعهم، بل انضم إليهم في كثير من الهجمات ضد المدنيين الفلسطينيين وأراضيهم. 

فما يطالب به الرئيس الفلسطيني هو انعقاد مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية لكن المجتمع الدولي غير مهيأ حالياً لمثل هذا المؤتمر مع استمرار جائحة كورونا والتوتر السائد على المستوى الدولي بين الدول الكبرى على خلفية الأزمة الأوكرانية والملف النووي الإيراني وبين الصين والولايات المتحدة حول تايوان. ولعل واشنطن شعرت أن الوضع مرشح للتدهور، لذا أوفدت مستشار الأمن القومي لبحث الملف الفلسطيني. وقد طمأن سوليفان الجانب الفلسطيني من أن البيت الأبيض سيمضي قدماً في إعادة فتح الممثلية الفلسطينية في واشنطن والقنصلية الأمريكية في القدس الشرقية بعد وقت غير محدد. ربما بهذه التطمينات وافق الرئيس الفلسطيني على لقاء جانتس لأن فيها فوائد منظورة يحتاج إليها على المدى المنظور لاسترداد أموال ولمّ شمل عائلات وتوسيع الهياكل التنظيمية في المنطقة «سي» الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. فالرئيس الفلسطيني بحاجة لمثل هذا الانتعاش حالياً لأن انفجار الوضع قد يخرج الأمور من تحت سيطرته. وهذا اللقاء يشبه في بعض جوانبه لقاءً سابقاً أجراه الرئيس الفلسطيني الراحل أبو عمار عشية الانتفاضة الثانية سنة 2000، حيث توجه إلى منزل رئيس الوزراء آنذاك إيهود باراك على حافة خط الهدنة في كوخاب يائير شمال قلقيلية وطلب منه أن يمنع زيارة شارون للمسجد الأقصى حتى لا ينفجر الوضع، لكن باراك رفض وانفجر الوضع بعد الزيارة بيومين في الانتفاضة الثانية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"