لبنان والحلول المؤجلة

01:11 صباحا
قراءة دقيقتين

يبدو أن قدر لبنان أن يعيش أو يتعايش مع أزماته المركبة بانتظار حلول داخلية أو خارجية دائماً ما تبقى مؤجلة، من غير أن تكون له القدرة حتى على إدارة هذه الأزمات، وبالتالي فإن مؤشر هذه الأزمات غالباً ما يذهب في اتجاه تفاقمها بدلاً من حلها، فيما تدفع الأغلبية الساحقة من اللبنانيين أثمان هذه الأزمات حتى بات «الجوع يقرع أبواب الجميع».
 هذه الفرضية ناجمة عن فرادة لبنان وتميزه عن باقي بلدان العالم، وتركيبته الطائفة، التي منحته الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية، حيث كل حركة أو خطوة سياسية لأي طرف ليست مجانية، ويجب أن تكون محسوبة ولها ثمن، علاوة على أن الإخلال بالتوازنات الطائفية القائمة منذ عشرات السنين يدخل في باب المحرمات، وترتب على ذلك مثلاً التمسك بما يسمى «الميثاقية»، بمعنى أن انسحاب أي طائفة رئيسية من مؤسسات الحكم مثل (رئاسة الوزراء - مجلس النواب) يؤدي إلى تعطيلها. 
 ليست كل مشاكل لبنان، بطبيعة الحال، آتية من الخارج، كما قد يتصور البعض، مع أنه يتأثر بهذا القدر أو ذاك بما يحدث في الخارج، وهو ليس معزولاً عن التطورات الإقليمية والدولية، شأنه شأن أي بلد في العالم، لكن مشكلته الأساسية والأكبر والأهم هي داخلية، إذ لو توحد اللبنانيون فيما بينهم لتمكنوا من مواجهة كل التدخلات الخارجية، بل لتمكنوا من إيجاد الحلول لأزماتهم الاقتصادية والمالية والمعيشية، حتى أن الخارج الذي ينشدون مساعدته يطالبهم أولاً بمساعدة أنفسهم وإنهاء انقساماتهم واتخاذ قرارات موحدة. 
 مشكلة لبنان الحقيقية تكمن في الانقسام السياسي والمجتمعي والطائفي، من دون نسيان الفساد والطبقة السياسية الفاسدة الموزعة داخل مؤسسات الحكم وخارجه، والأسوأ من ذلك كله، هو الكيدية السياسية، وما حدث في مؤسسة مجلس الوزراء من تعطيل لنحو ثلاثة أشهر، لا يشير فقط إلى حالة الانقسام، وإنما إلى إمكانية أخذ حكومة بكاملها رهينة باسم «الميثاقية» لتحقيق مطالب سياسية، وهذا الأمر ينطبق على الجميع، فيما تخالف الروايات حول عودة الأطراف المقاطعة، ما بين صفقة لم يعلن عنها، وما بين «تراجع تكتيكي» يستهدف عدم تحمل مسؤولية التعطيل وشل عمل الحكومة ومفاقمة أزمات اللبنانيين، وإن كان الأهم، على ما يبدو، إعادة ترتيب التحالفات الإنتخابية، بعد أن أوشكت التحالفات القديمة على التفكك، ما يهدد بضياع الأغلبية البرلمانية.
 لكن سبق تعطيل الحكومة، حلقات من التعطيل المبني على الخلافات والكيدية السياسية، فمنذ اندلاع الحراك الشعبي في أكتوبر/تشرين الأول 2019، والمطالبة برحيل الطبقة السياسية الفاسدة، ومع بدء إرخاء الأزمة الاقتصادية بظلالها على اللبنانيين، تم تعطيل سلسلة من الحكومات المتعاقبة، ولا يزال التحقيق في كارثة انفجار مرفأ بيروت معطلاً، ولا تزال الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي معطلة، وبالتالي تبقى المساعدات الدولية مؤجلة، وتبقى الحلول الحقيقية مؤجلة، وكل شيء يبقى مؤجلاً في لبنان، إلى أن يتمكن اللبنانيون من الانصهار في بوتقة واحدة، عنوانها الأوحد والوحيد الولاء للوطن.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"