الخطر هو خوف التحديث

00:23 صباحا
قراءة دقيقتين

هل ثمّة درب آخر غير التحول الثقافي الواقعي، في عالم متغيّر بسرعة هائلة؟ ما الخطأ في الاعتراف بأن البنى الثقافية العربية التقليدية، بمكوّناتها القرونية، لن تستطيع دخول زحام عوالم المستقبل بلا تطوير؟ لو كان لأعمدة الثقافة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، أو حتى منذ العقد الثاني من القرن الماضي، قدرات تغييرية في الحياة العامّة، وكان نفوذها يتجاوز حدود التأثير الأدبي السطحي، لكانت الثقافة ومكوّناتها، قد نمت نموّاً غير هامشي ديكوري.
تريد المثال: عميد الأدب طه حسين، نشر مئات الأفكار الرائدة التنويرية، فهل لنا أن نعرف الدلائل الملموسة، في الحياة اليومية وطرائق التفكير لدى جيلين أو ثلاثة، على احترام هذا الرمز الكبير تطبيقيّاً، ومكافأته بتبني نهجه التنويري التجديدي والاقتداء به والبناء عليه؟ أبعد من ذلك، بعملية حسابية يسيرة: أعِدّ قائمة بها أهمّ خمسين مفكّراً عربياً مشرقاً ومغرباً، قامات مثل: زكي نجيب محمود، علي الوردي، محمد عابد الجابري، محمد جابر الأنصاري، هشام جعيط، محمد أركون، إدوارد سعيد... ما هي بذور أفكارهم التي نبتت منها أشجار أورقت وأزهرت وأثمرت؟ المشكلة ليست فيهم، يقيناً، وإنما في التربة الثقافية، التي لم تكن مؤهلة لتنمية الأفكار الرائدة. سامح الله القلم على الصورة الكاريكاتورية، قال: طوال التاريخ المعاصر في العالم العربي، كانت كثرة المجددين وعدم تحوّل تنويرهم إلى واقع، مثل مصنع لإنتاج المصابيح ذات الجودة العالية، في حين لا وجود للكهرباء.
الثقافة المستقبلية لن تستطيع الاستمرار في هذا الضياع الزماني. لا يمكن أن تكون الثقافة سويّة تدّعي عشق الإبداع، وهي ترى غابة من التناقضات التراجيكوميدية: نخب فكرية في القمة وسط أمّية جائحية. عشرات ألوف المثقفين يتجلّون في نظريات التيارات الأدبية والفنيّة وأساليب الإحساس بجمالها، وأغلبيتهم غارقون في مؤسفات التنميات المتعثرة. ثقافة المستقبل، بعد عقد فقط، ستكون فيها العلوم العمود الفقري والهيكل العظمي المكسو لحماً، والخلايا الدماغية وتشابكاتها العصبيّة. فهل يتفكر القوم في هذه التحولات؟ على المناهج أن تتطوّر، أن تغيّر ما بنفسها قسراً، حتى تنشأ الخلية الأولى للبحث العلميّ الذي، واعجبا، متى غدهُ؟ واعجبا، لم يولد بعد، لم يشبّ عن الطوق ولم ينتج علوماً. فرصتان ضاعتا: ابن رشد وبعده بقرنين ابن خلدون، اقتنصهما الغرب، غذّى حياته برحيق فكريهما، وأبقى لنا قشور الفخر.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: ما سيقتل الثقافة التقليدية، ليس تطويرها، وإنما الخوف عليها من التحديث.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"