الشارقة: عثمان حسن
تؤكد المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري (1893 – 1989)، في كتابها «دفاع عن الإسلام» الذي صدر بالإيطالية سنة 1962، ونقله إلى العربية منير البعلبكي، أن الإسلام هو دين جديد يخاطب العقول، وكان أسمى في خصائصه ومبادئه الأخلاقية، مما كان متبعاً في زمانه، وأن محمداً، عليه الصلاة والسلام، كان شديد التسامح وبخاصة نحو أتباع الأديان الأخرى. كما تؤكد أن تاريخ السنوات الأولى من الإسلام يقدم إلينا عدداً من الأمثلة على التسامح الديني، وأنه دين العقل، بل كان يملك في نفسه، قوة فعالة، ولهذا كان سريع الانتشار في الأمم والحضارات، وأن أتباعه أدهشوا العالم، وأثروا إيجاباً في الحضارة البشرية جمعاء.
«إن الإسلام عالمي في دعوته والقيم التي ينادي بها، لا بد أن تلقى ترحيباً بهيجاً في الغرب بمجرد فهمه إياها فهماً حسناً». هذا جزء مما قاله ظفر الله خان (1893 – 1985) عضو محكمة العدل الدولية، في تقديمه للنسخة الإنجليزية من الكتاب، وأضاف: «أظهر الكتاب الغربيون في السنوات الأخيرة وعياً متزايداً للحاجة إلى الفهم والتطور والمشاركة الوجدانية في مواقفهم من الإسلام».
جاء الكتاب في سبعة فصول هي: «سرعة انتشار الإسلام» و «بساطة العقيدة الإسلامية» و«معنى الشعائر الإسلامية» و«الأخلاق الإسلامية» و«الحكم الإسلامي والحضارة» و«معنى التصوف في الإسلام» و«الإسلام وصلته بالعالم».
في الفصل الأول من الكتاب تتحدث فيشيا فاغليري عن السرعة التي حقق بها الإسلام مشروعه، فتحول من دين يعتنقه نفر من المتحمسين إلى دين يؤمن به ملايين الناس، وهي تعبر عن دهشتها من هذه السرعة، بل من ذهول العقل البشري، الذي يقف عاجزاً دون اكتشاف القوى السرية التي مكنت جماعة صغيرة من الانتصار على شعوب متفوقة عليها تفوقاً كبيراً في الحضارة والثروة والخبرة، والقدرة على شن الحروب. وهي تجيب عن ذلك بتأكيدها على روح الإسلام وسماحته، وما فيه من مثل عليا، جعلت أتباعه يحتفظون بحيوية نابضة لم تعرفها الأديان الأخرى، حتى بعد انقضاء قرون على وفاة الرسول محمد عليه الصلاة السلام.
الينبوع الصافي
تقول المؤلفة: «نشأ الإسلام مثل ينبوع من الماء الصافي النمير، وسط شعب يحيا في بلاد منعزلة جرداء بعيدة عن ملتقى طرق الحضارة والفكر الإنساني، وكان ذلك الينبوع غزيراً إلى درجة جعلته يتحول وشيكاً إلى جدول، ثم إلى نهر، ليفيض آخر الأمر فتنفرج منه آلاف القنوات تتدفق في البلاد» ثم تدرس تأثيرات هذا التحول الذي جمع شمل الجماعات المتناحرة.
وتتحدث فيشيا فاغليري عن أركان الإسلام، وكيف أنها بالإضافة إلى شهادة «أن لا إله إلا الله» ينبغي أن تدرس درساً دقيقاً لاكتشاف السر الذي يجعل في ميسور تلك الشعائر أن تطهر روح المؤمن، وتساعدها على السمو تدريجياً نحو الله.
وتؤكد أن هذه الشعائر ليست عسيرة على الإنسان، كما أن قواعده ليست جامدة، وليست قاسية، لأنه سبحانه يريد بعباده اليسر وليس العسر. وتلفت إلى أن الإسلام إنما نجح نجاحاً باهراً، لأنه لم يكن أقل اهتماماً بالمسؤولية الأخلاقية عند أفراده من الأديان التوحيدية الأخرى، التي اعترف محمد بأن أنبياءها إخوانه.
الرحمة والإحسان
استكمالاً لبحثها في أركان الدين الإسلامي، وتفصيلها لمعاني القرآن، ودلالات ما في آياته من عبر ومبادئ، تحرص على العناية بالبشر، وتكفل لهم عيش حياة حرة ضمن إطار من الوحدة والإخاء والرحمة، تستكمل المستشرقة الإيطالية بحثها في الأحاديث الشريفة التي ترى أنها تكمل ما في هذه الآيات الربانية من عبر، بل هي تحمل الرحمة والإحسان، وتنطوي على أسمى المفاهيم الأخلاقية.
في الفصل الخامس من الكتاب «الحكم الإسلامي والحضارة»، تعبر الباحثة الإيطالية عن شديد إعجابها بالإسلام وبالدين الإسلامي وتقول: «علينا أن نقدم أعمق إعجابنا إلى دين لا يكتفي بنظرية ملائمة لمطامح الطبيعة البشرية، وبإقامة شريعة تتآلف من أسمى القوانين التي يستطيع الإنسان الحياة وفقها، ولكنه يذهب إلى أبعد من ذلك، فينادي بفلسفة حياة». تختتم المستشرقة الإيطالية هذا الكتاب المهم والملهم، بالحديث عن الإسلام في علاقته مع العالم، وتؤكد مسألة غاية في الأهمية، فهو بالنسبة لها، ليس دين المعجزة الكبرى: القرآن الكريم فحسب، بل هو كذلك دين العقل، إذ تقول: «عندما أراد الإسلام أن يوقظ في الإنسان الإيمان بالرسل، والكتب المنزلة، وقدم تلك المعجزة الكبرى: القرآن الكريم لم يتوقع أن يقبل المرء الإسلام بإيمان سلبي من غير إعمال عقله، ودعاه لكي يفهمه إلى التفكير فيه إلى الحد الذي يسمح به العقل والذكاء الإنسانيان، وتحداه أن ينكر إعجازه بالإتيان بسورة من مثله».