المغرب وإسبانيا.. من الأزمة إلى الفرصة

01:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.إدريس لكريني

شهدت العلاقات المغربية – الإسبانية، فتوراً كبيراً تحوّل إلى أزمة حقيقية خلال السنة الماضية، مع إقدام الجارة الشمالية للمغرب على استقبال زعيم البوليساريو فوق أراضيها بهوية مزيفة ودون إشعار المغرب بالأمر. ما تسبب في ظهور حالة من عدم الثقة، وتمخض عنه نقاشات سياسية وأكاديمية بصدد مستقبل هذه العلاقة التي كانت قد شهدت تطورات كبيرة على المستوى الاقتصادي والتنسيق الأمني في العقود الثلاثة الأخيرة، وأضحت معها إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب.

 أثار السلوك الإسباني استياء رسمياً وشعبياً داخل المغرب، فقد تم استدعاء سفيرة المغرب في مدريد، فيما أعربت الدبلوماسية المغربية في حينها عن رفض أية شراكة انتقائية، تخدم طرفاً دون الآخر، وتسيء لعلاقات حسن الجوار، مع الإشارة إلى أن المغرب انخرط بحسن نية في بلورة علاقات تقوم على احترام سيادة المملكة الإسبانية ووحدتها، والدعوة إلى تجاوز النظرة النمطية الاستعلائية في تصور هذه العلاقات، أخذاً بعين الاعتبار للتطورات المهمة التي شهدها المغرب على مختلف الواجهات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

  وبعد مرور ما يقارب السنة على تفجر الأزمة، وضمن تحول جذري في موقفها، أعلنت إسبانيا قبل أيام، أن مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب تمثّل الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لحل نزاع الصحراء، وهي الخطوة التي خلفت ارتياحاً كبيراً داخل المغرب، وأتاحت عودة الدفء من جديد إلى العلاقات بين البلدين بعودة سفيرة المغرب إلى إسبانيا، ليتعزز الأمر بزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز للمغرب واستقباله من قبل الملك محمد السادس.

  إن الموقف جاء متناغماً إلى حد كبير مع قرارات مجلس الأمن، التي طالما ثمنت الجهود والمبادرات المغربية المتسمة بالواقعية والتي لم تعد تتحدث عن خيار الاستفتاء ومختلف الحلول المتجاوزة الأخرى، وإضافة إلى ذلك، هو تعبير أيضاً عن القناعة بجدية الطرح المغربي المتمثل في مشروع الحكم الذاتي الذي يوازن بين خياري الوحدة والاستقلال، والذي لقي استحساناً وترحيباً من قبل الكثير من دول العالم، وهو الخيار الذي تنهجه إسبانيا نفسها في تدبير تنوعها، وسعيها لكسب رهانات تنمية أقاليمها؛ بل إن إسبانيا نفسها واجهت خيارات الانفصال في إقليم كاتالونيا بكل قوة وصرامة، ما يجعلها مقتنعة تمام الاقتناع بمتاهات الانفصال وتداعياته الخطِرة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.

  ويمثّل الموقف الإسباني الرسمي الأخير، لبنة حقيقية ستدعم إعادة إرساء الثقة بين البلدين والتي حاولت بعض الأطراف داخل إسبانيا في السابق، خلخلتها بالدفع نحو اعتماد قرارات مسيئة وغير محسوبة العواقب. وجدير بالذكر أن هذه الثقة ستشكل أرضية خصبة لتطوير العلاقات نحو الأفضل، بما ينسجم مع متطلبات حسن الجوار، ووجود مجموعة من الأولويات المشتركة بين الجانبين في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية، تتطلب التنسيق والتعاون.

  وعلى الرغم من الرفض الذي عبرت عنه بعض القوى السياسية داخل مجلس النواب الإسباني (إحدى غرفتي البرلمان بالبلاد) من هذا التوجه الجديد، فإن الأمر لا يحمل أية قيمة قانونية ملزمة للحكومة الإسبانية التي اختارت موقفها بشكل واضح.

  إن إسبانيا دولة ديمقراطية، وتوجهاتها الأخيرة نحو المغرب، هي نتاج لنقاشات وتقييم موضوعي لمصالحها الحقيقية، كما أنها صادرة من أجهزة رسمية مختصة، ويبدو أن الكثير من النخب البرلمانية في إسبانيا ستقتنع مع مرور الوقت بجدوى مشروع الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كمدخل لإرساء حل واقعي ومستدام للنزاع في الصحراء، وبأهمية تعزيز الشراكة مع المغرب، خدمة للمصالح الحقيقية للبلدين وللمنطقة المتوسطية، علماً بأن التوجه الإسباني الأخير حظي بتأييد المفوضية الأوروبية.

  تشير الكثير من المؤشرات والمعطيات إلى أن المناخ الإيجابي الذي خلفه التوجه الإسباني الأخير من قضية الوحدة الترابية للمغرب، سيعطي دفعة قوية للعلاقات بين الجانبين، ويبدو أن هناك حرصاً على تمتين الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقات التي تستحضر في عمقها تجاوز الكثير من القضايا الخلافية.

  ففي سياق تحويل الأزمة السابقة إلى فرصة حقيقية رابحة بالنسبة للبلدين، تمّت بلورة خارطة طريق شاملة ومتكاملة تعكس الرغبة الحقيقة في وضع أساس متين ينحو إلى تعزيز وتشبيك العلاقات على مختلف الواجهات، تشمل مجموعة من القضايا والقطاعات التي تدعم الشراكة الشاملة بين الطرفين، في إطار من حسن الجوار، والاحترام المتبادل، والتشاور والتعاون المستمرين، وإعطائها (الشراكة) بعداً استراتيجياً، كفيلاً بتحصينها (العلاقات) ضد أية رجّات أو أزمات محتملة في المستقبل.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"