القدس بوابة السلام

00:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

هل تريد إسرائيل السلام أم لا؟.. سؤال كان وسيظل محيراً، فهي دولة تتناقض في أقوالها وأفعالها، وكانت تسوق نفسها في الماضي على أنها دولة مسالمة يحيط بها أشرار من كل جانب، واليوم تسوق نفسها على أنها دولة الديمقراطية والبحث والتكنولوجيا، ولكن حقيقتها غير ذلك فهي دولة تنمو على الصراع وتتغذى على الحروب. 
 نظرياً، تقول إنها تريد السلام، وتكون الأكثر سعادة بكل خطوة سلام تخطوها نحوها دولة عربية، ترحب وتهلل وتضع الخطط للتعاون الاقتصادي والسياسي والعلمي والسياحي، ولكن عملياً، فإن كل سلوكياتها على الأرض تناقض ذلك، تخشى التلاشي حال توقفت عن صناعة الفتن واختلاق الصراع واقتحام المقدسات ومطاردة المصلين وإيذاء الأطفال والنساء والشيوخ. 
 ادعت أنها دولة علمانية متحضرة، والكل يعلم أنها دولة أقيمت على أساس ديني وتروّج أنها تضم شعب الله المختار، فهي قلعة للتطرف، تضيق ذرعاً من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وهو ما تترجمه أفعالاً عبر تاريخها، وعبّرت عنه خلال الأيام القليلة الماضية. اقتحم مستوطنوها المسجد الأقصى بحماية أجهزة الأمن التي اعتدت على المصلين، وأطلقت الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية والمسيلة للدموع على الساجدين، وأصابت المئات، وتزامن ذلك مع الاعتداء على المسيحيين ومنع وصولهم إلى كنيسة القيامة للاحتفال بسبت النور والمشاركة في قداس عيد القيامة المجيد. 
 القدس، المدينة التي ميّزها رب العالمين، بأن تكون جامعة الديانات الثلاث، ولأشهر المعالم الدينية وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله، وفيها كنيسة القيامة، هي نافذة الاستقرار وأرض المحبة والتسامح والتعايش المشترك، ولو كانت هناك إرادة لسلام حقيقي ورغبة في أن تنعم المنطقة بالاستقرار فلا بد من استيعاب أنها لن تكون أبداً حكراً لأحد، حتى لو نقلت أمريكا وبعض الدول سفاراتها إلى هناك وعقدت الحكومة اجتماعاتها فيها واتخذتها مقراً رسمياً لأنشطتها، ولو أن الإسرائيليين وغيرهم أدركوا أن هذه المدينة هي العنوان الحقيقي للسلام المنشود، وتعاملوا على أنها المدينة التي تجمع ولا تفرق، تجمع أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، ورفعوا عنها يد البطش والعنف، واعتبروها مدينة ذات طبيعة خاصة، لسهّل ذلك تحقيق السلام .
 الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى ليست جديدة، وأصبحت سلوكاً معتاداً من المستوطنين المتطرفين تحت رعاية الشرطة والجيش، وإذا لم يتم قطع هذه العادة ووأد الفتنة المستهدفة من ورائها فلن ينعم أحد بالسلام الذي يتم السعي إليه، ولم يتحقق بفعل الممارسات الإسرائيلية العدوانية التي تستفز الفلسطينيين والعرب على السواء وتجدد الصراع وتعجز عن إخماد نيران الفتنة. 
 القمة التي استضافتها مصر وجمعت صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والرئيس عبدالفتاح السيسي والملك عبدالله الثاني، أكدت المؤكد، وأبلغت الرسالة بشكل جلي وشفاف وهو أن معاهدات السلام الموقعة مع إسرائيل لن تجعلهم يقفون مكتوفي الأيدي أمام التجاوزات الإسرائيلية في حق المقدسات، مطالبين وبالصوت العالي بوقف أي ممارسات تنتهك حرمة المسجد الأقصى وتغير الوضع الراهن إضافة إلى تجنب التصعيد وتهدئة الأوضاع، وأهمية وقف إسرائيل كل الإجراءات التي تقوض حل الدولتين وضرورة إيجاد أفق سياسي للعودة إلى مفاوضات جادة وفاعلة لحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين ووفق القانون الدولي.
 دولة الإمارات، دولة سلام واتخذته نهجاً ومنهجاً، ولكنه السلم الذي يعيد الحقوق المغتصبة لأصحابها، ويتخلى عن العنصرية ويحترم حقوق الآخر، ولذلك فبمجرد أن اقتحمت إسرائيل الأقصى وانتهكت حرمته واعتدت على المصلين، استدعت الخارجية الإماراتية السفير الإسرائيلي للاحتجاج والمطالبة بالوقف الفوري لهذه التجاوزات.
 السلام هدف والتزام، والاستقرار أمل وإرادة، والتعايش المشترك طموح، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بجهود يشارك فيها المتطلعون لتقدم شعوبهم وازدهارها، وسيكون استعراض القوة والتجاور في حق المصلين وانتهاك المقدسات أكبر معرقل لتحقيق السلام المنشود.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"