هل انتهى زمن الأمم المتحدة؟

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

أد. إدريس لكريني

عندما ظهرت الأمم المتحدة عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي خلفت دماراً كبيراً، على أنقاض عصبة الأمم التي فشلت في تحقيق رهانات السلام، عُقدت آمال كبيرة على هذه الهيئة باتجاه تجنيب العالم ويلات حروب جديدة.
حاول مؤسسو المنظمة الأممية الاستفادة من أخطاء الماضي، فقد تم تضمين الميثاق مجموعة من المبادئ، كمنع استعمال القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، وحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعوة هذه الأخيرة إلى نهج السبل السلمية لتسوية المنازعات.
جعلت الهيئة حفظ السلم والأمن الدوليين على رأس أولوياتها إلى جانب حماية حقوق الإنسان، وتنسيق العلاقات الودية بين الدول، وفي سبيل لك، نهجت مسلكين أساسيين: الأول وقائي يقوم على منع ومواجهة كل العوامل التي من شأنها إشعال الحروب وتعميق الخلافات بين الدول، حيث استثمرت أجهزتها ووكالاتها المتخصصة لإرساء مناخ من الثقة بين الدول، والعمل على تشبيك العلاقات وتنظيمها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والسياسية. 
والثاني علاجي، يقوم على اعتماد مجموعة من الآليات المتصلة بتسوية المنازعات، سواء تعلق الأمر منها بالسبل السلمية التي تتركز على الأساليب الدبلوماسية كالمفاوضات والوساطة والمساعي الحميدة، والتوفيق والتحقيق وعرض المنازعات على المنظمات الإقليمية أو القضائية التي ترتبط بعرض النزاعات على المحاكم الدولية ولجان التحكيم.. أو عبر السبل القسرية، من خلال التدابير العقابية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية التي يمكن لمجلس الأمن أن يتخذها بموجب الفصل السابع من الميثاق، في حال حدوث عدوان أو خرق للسلم والأمن الدوليين.
ألقت ظروف الحرب الباردة بظلالها القاتمة على المنظمة، بعدما انتقل الصراع الأيديولوجي الذي سيطر لعقود بين المعسكرين الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، وخصمه المعسكر الغربي الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة إليها، ما أدى إلى جمود مجلس الأمن بفعل الاستخدام المكثف لحق «الفيتو». 
عندما انهار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينيات القرن الماضي، بشرت الولايات المتحدة بولادة نظام دولي جديد، تقوم فيه الأمم المتحدة بدور ريادي على مستوى إرساء الأمن وتعزيز السلام العالمي بعد تحررها من الصراع القطبي.
لم تكد تمضي سوى بضع سنوات حتى كشفت الممارسات الدولية زيف هذه الشعارات، ذلك أن الدينامية التي طبعت أداء مجلس الأمن خلال هذه الفترة، لم تخل من انحرافات، بعدما تم تجاوز مقتضيات الميثاق، بإعمال تدخلات زجرية بذرائع مختلفة متصلة بدعم الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب، فيما ظلت الكثير من القضايا الملحة بعيدة عن اهتمام المجلس، كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية.
وضمن محك حقيقي لقياس مدى جاهزية ومصداقية المنظمة، مثّل التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا امتحاناً حقيقياً، كشف عجزاً في أداء مجلس الأمن الذي يبدو أنه يتعامل مع النزاعات والخروق الدولية بمنطقين مختلفين. فعلى عكس الدول الضعيفة التي غالباً ما يتحرك بصرامة لمواجهة الاعتداءات والخروق التي تحدث فيها (الاحتلال العراقي للكويت في عام 1990)، فإن الأمر يكون مختلفاً عندما يتعلق الأمر بسلوكيات مماثلة تقوم بها دول عظمى (الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003)، والتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا (عام 2022).
إن توجه عدد من الدول الكبرى إلى استخدام القوة في العلاقات الدولية لتحقيق مصالحها، هو أسلوب يكرّس سوابق خطرة، يمكنها أن تشجع أخرى على نهج نفس الخيار لتسوية ما يثور بينها من خلافات، ما سيؤدي إلى انهيار الأمم المتحدة؛ بل والقانون الدولي نفسه.
لا يمكن نفي الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة منذ تأسيسها في سبيل حفظ السلم والأمن الدوليين، فالعالم دونها سيكون قاتماً، فقد قامت بجهود كبيرة على المستوى الوقائي، وشكلت مركزاً للحوار ولتشبيك العلاقات بين الدول في مختلف المجالات. ومع ذلك يمكن القول إن عودة القوة العسكرية بشكل جلي إلى الواجهة الدولية، يمثل أحد التحديات الكبرى بالنسبة لهذه الهيئة، ولذلك تقف الأمم المتحدة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تعتمد إصلاحات جذرية تروم «دمقرطتها» وانفتاحها على المتغيرات الدولية الراهنة بموازينها وأولوياتها وتحدياتها المختلفة.. أو انتظار المصير المحتوم المتمثل في الزوال، مثلما حدث لعصبة الأمم.
[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"