«بازار» نووي في أوكرانيا

00:27 صباحا
قراءة دقيقتين

يونس السيد

من تصريحات زيلينسكي بشأن تخلي أوكرانيا عن أسلحتها النووية لصالح روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، إلى مطالبة بولندا وبعض دول أوروبا الشرقية لواشنطن بنشر أسلحة نووية على أراضيها، وحتى الاتهامات المتكررة لروسيا بأنها «تنوي» استخدام أسلحة نووية وكيماوية، تحولت أوكرانيا إلى بازار نووي بامتياز، بينما الهدف واضح وهو تأجيج الصراع على أمل إضعاف روسيا، إن لم يتمكن الغرب من إلحاق الهزيمة بها هناك.

 زيلينسكي نادم على تخلي أوكرانيا عن أسلحة نووية كانت ملكاً للاتحاد السوفييتي الذي ورثته روسيا، لكن ندمه هذا يفضح رغبته في امتلاك هذا السلاح والتحول إلى دولة نووية. أما بولندا التي تحتضن قواعد لحلف «الناتو» في طول البلاد وعرضها، فتطالب بنشر أسلحة أمريكية نووية على أراضيها، من منطلق الخوف من عواقب توغلها في المشروع الغربي المعادي لروسيا حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وتخشى من نجاح العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وارتدادات ذلك على منظومة الأمن في أوروبا كلها، وكذلك الحال بالنسبة لبعض دول أوروبا الشرقية مثل دول بحر البلطيق. 

 غير أن السوق الأكثر ترويجاً لاستخدام السلاح النووي يظهر في واشنطن ولندن أكثر من غيرهما في العالم الغربي، اللتين تتبنيان، مسبقاً، «نوايا» موسكو في استخدام «النووي» أو حتى «الكيماوي»، كما كان يحدث في سوريا. والسبب واضح هو الاستمرار في تهييج الرأي العام وحشد المجتمع الدولي للضغط على روسيا كي توقف عمليتها العسكرية وتسحب قواتها من أوكرانيا، لأنهما تدركان ما الذي يعنيه نجاح العملية الروسية بالنسبة للأمن والنظام العالمي، وبالتالي انتهاء حقبة هيمنة السياسات الغربية، والأمريكية، على العالم.

 صحيح أن بوتين صرح بهدوء أن لدى روسيا أسلحة ليس لكي تتباهى بها، ولكن ذلك يدخل في باب التذكير بالردع، إذ إن موسكو أعلنت مراراً وتكراراً أنها ملتزمة باتفاقاتها السابقة منذ إعلان ريغان -عورباتشوف عام 1987، وصولاً إلى لقاء بوتين وبايدن العام الماضي في جنيف، بعدم استخدام الأسلحة النووية، لأنه لا يمكن أن يكون هناك منتصر في هذه الحرب، وبالتالي «لا يجوز شنها أبداً». 

 وزير الخارجية الروسي لافروف قال في مقابلة صحفية مؤخراً، «نحن لا نتلاعب بموضوع الحرب النووية»، لكن ذلك لا يعني أن روسيا ستقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت لتهديد وجودي. والغرب يدرك أن لدى روسيا خيارات عديدة من النووي التكتيكي إلى أسلحة لم يكشف عنها، وهي قادرة على حسم الموقف في أوكرانيا منذ الأيام الأولى بدلاً من تحمل عبء شحنات الأسلحة التي تتدفق على أوكرانيا، ليس حباً فيها، وإنما لمقاتلة روسيا بها. إذ عندما يطلب بايدن من الكونغرس 33 مليار دولار لدعم وتسليح أوكرانيا، أو عندما يقدر أمين عام «الناتو» قيمة الأسلحة التي أرسلت إلى أوكرانيا بأكثر من 10 مليارات دولار، فهذا يعني أن المسألة الحقيقية ليست أوكرانيا حتى لو تم تدميرها عن بكرة أبيها، وإنما هي الصراع الغربي الأمريكي - الروسي حول شكل ومضمون النظام العالمي الجديد.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"