«زلة لسان» تكشف الحقيقة

00:26 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

بعد 19 عاماً على غزوه العراق فضح الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، نفسه من دون أن يقصد. ففي خطاب له في تكساس، ليل الأربعاء الماضي، وفيما كان يتحدث عن الحرب الأوكرانية، وصف غزو العراق بأنه «قرار رجل واحد وحشي وغير مبرر»، قبل أن يستدرك بأنه كان يقصد أوكرانيا.

 من الطبيعي، ألا يقصد بوش إدانة نفسه بالوحشية، لكن لسانه فضحه بأن حربه كانت وحشية، وأن غزوه كان غير مبرر، وأدخل العراق في حقبة من الدم والدمار والإرهاب، حصدت ملايين الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال، وأدخلت المنطقة في أتون صراعات وحروب أهلية لم تنته بعد، وأطلقت وحش الطائفية والمذهبية في إطار ما أسمته إدارته ب«الفوضى الخلاقة».

 فعلاً، اختصر بوش كل ما فعله في العراق والمنطقة بكلمات قليلة، وهذا يكشف أن شبح الغزو لا يزال يلاحقه، ويقضّ مضجعه، وأن عقله الباطن يختزن كل ما لحق بالعراقيين من جرائم ومآس ونكبات على يديه، وهي بالمعايير القانونية الدولية جرائم حرب ضد الإنسانية، كان يمكن أن تقوده، مع رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، إلى المحكمة الجنائية الدولية ليلقيا مصير من سبقوهما، لو كان في العراق من أهل الحكم الجرأة على رفع دعوى أمام المحكمة المذكورة، وهناك الآف الإثباتات والقرائن، بالصوت والصورة، عما ارتكب من جرائم هناك خلال الغزو، وعلى مدى سنوات الاحتلال الذي استند إلى التلفيق والأكاذيب، بزعم وجود أسلحة دمار شامل، رغم كل تقارير المفتشين الدوليين التي أكدت أن العراق خالٍ تماماً من هذه الأسلحة ، ورغم أن الغزو تم خارج القانون الدولي ورغماً عن الأمم المتحدة.

 أن يحاول بوش تدارك «زلة لسانه» بالقول إنه كان يقصد أوكرانيا، فهذا تبرير للحقيقة التي قالها من دون أن يقصدها. فزلّات اللسان هي دليل قاطع على حقيقة نوايا صاحبه، وليس مجرد خطأ لفظي، وهو ما يسميه عالم النفس، سيغموند فرويد، في معرض حديثه عن السلوك الإنساني والحياة ب«الإنزلاق الفرويدي». فيما يقول عالم النفس دانيال ويغنز، إن زلة اللسان هي تعبير من دون قصد لحالة «كبت» في العقل الباطن لقضية ما.

 لم يتمكن بوش طيلة السنوات الماضية من الإقرار بما فعله في العراق، لكن عقله الباطن كان أصدق منه بأنه قام «بغزو وحشي وغير مبرر». وقد قيل «لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه»، و«اللسان آفة الإنسان». 

 فهل يملك بوش الآن الجرأة الكافية كي يعلن على الملأ أن ما قام به في العراق كان وحشياً وغير مبرر؟ أم أن الكوابيس العراقية وصرخات الأطفال  والأجساد المحروقة واستغاثات سجناء سجن أبو غريب سوف تلاحقه في الليل والنهار؟

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"