مُظفر النوّاب أغنية

00:15 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

في سيرة مظفر النواب كل الوجع الذي وسم سيرة كُثر من قامات الإبداع في العراق الذين تفرقت حيواتهم بين السجون والمنافي الطويلة الممتدة، حتى لا تكاد تكون هناك قارة في هذا الكوكب الكبير تخلو بلدان فيها من رفات مبدعين عراقيين.
شعر النوّاب الذي فارق دنيانا بعد حياة حافلة توزّعته فيها مدن عربية مختلفة، كانت الشارقة محطته الأخيرة التي فيها صعدت روحه إلى بارئها، شاهد على مرحلة من تاريخ العراق الحديث بكل أوجاعها وحروبها وقسوتها، بظلام زنازين السجن الضيقة وبأوجاع المنافي القريبة والبعيدة، سواء في شعره المكتوب بالفصحى، أو خاصة بالعامية.
شخصياً طالما أحببت شعره بالعامية العراقية العذبة، الحنون، أكثر من شعره بالفصحى دون انتقاص من أهمية وجمال ما كتبه بها أيضاً، حتى إنني قرأت وصفاً له استوقفني جاء على لسان كاتب تناول تجربته الشعرية، حين قال عنه إنه «متنبي الشعر العامي».
في هذا الحديث وددنا الوقوف عند حضور كلمات مظفر النواب في الأغنية العراقية، خاصة تلك التي غناها الفنان ياس خضر من ألحان المبدع طالب قره غولي، ولن يكون بالوسع طبعاً الإحاطة  في هذه العجالة  بكل ما غني للنوّاب من قصائد، ولكنّ هناك أغاني لا يمكن أن تُنسى أبداً، بينها أغنية «روحي.. ولا تكَلها اشبيج» التي غناها ياس خضر، وفيها يقول: «يا فيّ النبع واطعم/ عطش صبير ولا فركَاك/ تعال بحلم واحسبها الك جيّه/ واكَولن جيت»، وتنطوي على حمولة شعرية رقيقة، عذبة، نسيج من الشجن والعتاب، بحيث يمكن أن نعدّها بمثابة مناجاة مع الذات، أكثر مما هي هجاء لجهة أو نقد لتجربة.
قصيدة أخرى غنّاها ياس خضر ومن ألحان طالب قره غولي أيضاً، هي «يا ليلة من ليل البنفسج»: وفيها جاء القول: «أشلون أوصفك؟ وأنت كهرب/ وآنا كمرة عيني دمعة ليل ظلمة/ أشلون أوصفك؟ وأنت دفتر وآني چلمة».
لكن لعلّ أشهر أغاني ياس خضر من كلمات مظفر النوّاب هي «الريل وحمد»، التي يُحكى أن ما أوحى له بكتابتها حكاية امرأة صادفها وهو في رحلة بالقطار إلى البصرة أو منها، حيث كانت هذه المرأة جالسة أمامه، وبدا عليها التعب والحزن، على الرغم من جمالها، وكان القطار لحظتها يمر بقرية أم الشامات، ولما سألها عن أمرها، حكت له أنها القرية التي فيها أحبت ابن عمها، ولأن هذا الحب ذاع، بات متعذراً، حسب ما هو مستقر من عادات، تزويجهما، فاضطرت المرأة للهرب إلى بغداد، وكلما مرّ قطار الجنوب بقريتها عادت إليها الذكريات: «مرينا بيكم حمد/ واحنا بقطار الليل/ اسمعنا دكَ قهوة/ شمينا ريحة هيل».
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"