هل يخطو لبنان إلى الأمام؟

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

بعيداً عن التشاؤم والتفاؤل، أظهرت الانتخابات اللبنانية عدداً من المؤشرات المهمة حول الوضع اللبناني الراهن، التي قد تتيح تقديم قراءة سياسية بأكثر من سيناريو، لكن ما هو مؤكد في هذه الانتخابات وجود خرق واضح لمصلحة ممثلي المجتمع المدني والمستقلين، الذين يدخلون البرلمان للمرة الأولى، وهم محسوبون على قوى التغيير في لبنان، ومعروفون بخطابهم العابر للطوائف، والمناهض صراحة للطائفية السياسية، وتشكّل هذه الكتلة النيابية (في حال افتراضها ذلك) حوالي 10% من البرلمان، وعلى الرغم من صغر هذه الكتلة نسبياً، إلا أنها تشكّل كتلة حرجة، ستحاول الكتل الكبرى استقطابها، والتأثير في قرارات أفرادها.

 هناك متغيران أساسيان، يضافان إلى المتغير المتعلق بكتلة المجتمع المدني، يتمثل الأول بخسارة التيار الوطني الحر «مكانته في البرلمان كأكبر كتلة مسيحية، أما الثاني فهو خسارة تحالف «حزب الله» و«حركة أمل» مع حليفهم «التيار الوطني الحر» الأكثرية النيابية، لكن من المبكر القول بأن القوى الأخرى تحت قبة المجلس تشكل كتلة واحدة، وصوتاً واحداً في القضايا الأساسية، التي تنتظر البرلمان في مرحلته التشريعية المقبلة، وهذان المتغيران يشيران بشكل أوّلي إلى أن المجلس قد يكون في حالة انقسام، ويصعب توفيق الآراء تجاه قرارات متوازنة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً في الشق الاقتصادي المعيشي، الذي يعني بشكل مباشر كل المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية.

 البرلمان المقبل أمامه عدد من الاستحقاقات الكبرى، من انتخاب رئيس له وانتخاب للجمهورية، والاتفاق على رئيس للحكومة، وصولاً للموافقة على خطط المؤسسات الدولية من أجل إنقاذ لبنان اقتصادياً ومالياً، مع الأخذ بالحسبان فقدان العملة لحوالي 90% من قيمتها، وحدوث تراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين، في وضع صنّفه البنك الدولي بأنه الأسوأ في العالم منذ عام 1850، يضاف إلى كل ذلك موجة التضخم العالمي بعد الحرب الروسية الأوكرانية، التي انعكست على مجمل الاقتصادات العالمية، وهو ما يضيف إلى معاناة الشعب اللبناني معاناة جديدة، الأمر الذي يتطلّب إيجاد توافقات بين الكتل النيابية للوصول بأسرع وقت لاتفاقات مع الدول المانحة والمؤسسات الدولية، لإنعاش الأوضاع المعيشية للبنانيين من جهة، واستعادة الثقة بالقطاعات المالية من جهة ثانية.

 الأوضاع في لبنان اليوم هي نتيجة منطقية لسلسلة أزمات وأحداث، وقبل كل ذلك نتيجة لانفتاح السياسة اللبنانية على صراعات الإقليم، ما جعل من لبنان ساحة من ساحات الصراع بين الدول والمشاريع الإقليمية والدولية، حيث أصبحت ممارسة العمل السياسي، تتمّ بشكل كبير بدلالات أزمات الخارج، أو بدلالات توافقاته، وليس بدلالات مطابقة لاحتياجات الواقع اللبناني الفعلية، وأسهمت هذه الحالة في تمزيق الفضاء السياسي العام، الذي يبدو منذ سنوات طويلة انعكاساً لصراعات الخارج، بكل ما يحمله هذا الأمر من كيدية في التعاطي السياسي، واستخفاف بمشكلات الناس العاديين، الذين يتطلعون للعيش في بلد طبيعي، من دون أن يكونوا أدوات للآخرين.

 لبنان وفق المعايير الدولية هو دولة فاشلة، إذ لا تحتكر الدولة السلاح، ويعاني هيمنة ونفوذ الخارج على حياته السياسية، ولا يستطيع تأمين الحدود المعقولة من الخدمات، بل تترك الدولة مسؤولية تأمين خدمات أساسية لشركات القطاع الخاص، الموزعة بين الأحزاب والمناطق، يضاف إلى ذلك حجم الهدر والفساد في مؤسسات الدولة، وغياب نظام مساءلة وحوكمة قوي، فمعظم الأحزاب تلعب دور الدولة بين طوائفها ومناطقها وجمهورها، حتى غدا حضور الأحزاب وراياتها في المدن والمناطق أقوى من حضور الدولة ورموزها الجامعة.

 قد يصعب تحميل البرلمان المؤلف حديثاً مهمات ذات طابع تاريخي، فهو من الناحية البنيوية امتداد لحالة «المحاصصة» الطائفية/ السياسية التي أنتجها «اتفاق الطائف»، في عام 1989، والذي أنهى حوالي 15 عاماً من الحرب الأهلية، لكن أيضاً لا يمكن للبنان أن يقوم بتأمين مقومات الاستقرار الأساسية من دون التفكير بالتحوّل إلى دولة بالمعنى الحديث، ووضع خريطة طريق للخروج من الدولة الفاشلة إلى الدولة المستقرة، خصوصاً أن واقع الأوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية هو واقع مرضي خطير، قابل للتدهور نحو كارثة عامة.

 ما يبنى عليه القليل من الأمل أن الانتخابات أوضحت وجود نواة لمجتمع مدني غير طائفي، قابلة للتطور، وكسر احتكار التمثيل السياسي على أساس طائفي، لكن هذا الأمل، يقابله السيناريو الأسوأ، بحيث تكون نتائج الانتخابات مقدمة لمنع أي اتفاق في البرلمان، وتوليد حالة فراغ سياسية على مستوى رئاسة الجمهورية والحكومة معاً، ومناحي الحياة كافة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"