العرب ولغتهم

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

لا نحسب أن هناك أمة في العالم تتعامل مع لغتها باستعلاء، كما يفعل البعض من بني قومنا، الذين لا يروق لهم أن يتحدثوا بهذه اللغة أو يكتبوا، ويفضلون على ذلك لغة الأمم الغالبة؛ كوننا اليوم مصنّفين في دائرة الأمم المغلوبة، فالكثيرون ممن يتحدثون أو يكتبون بالإنجليزية أو بالفرنسية وما إليهما، لا يفعلون ذلك في الكثير من الحالات، من باب الاضطرار، كأن يكونوا في حال مخاطبة مع الناطقين بواحدة من هذه اللغات، ولا لأنهم نشأوا وتربّوا، وربما ولدوا، في مجتمعات غير عربية، فلم يتيسر لهم التمكّن من لغة آبائهم وأجدادهم، وإنما يفعلون ذلك من باب التباهي، بما ينطوي عليه هذا التباهي من ازدراء للغتهم الأصل، والتعالي عليها.

حين يريد أحد هؤلاء التفاخر بابن له درس أو يدرس في مدارس أو جامعات أجنبية، يقول إنه لا يتكلم العربية وإنما الإنجليزية أو الفرنسية، وفي إمعان بهذا التفاخر يضيف أن الابن يتكلم تلك اللغة كالبلبل؛ دلالة الإتقان والتمكّن. وأمر رائع أن يتعلم أبناؤنا وبناتنا لغات أجنبية، وأن يتمكنوا منها ويتحدثوا بها ب«طلاقة البلبل»، فاللغات الأخرى هي جسور للمعرفة والتثاقف والتفاعل مع الأمم الأخرى، بما يغني ثقافتنا الوطنية بروافد جديدة نحتاج إليها، في عالم بات متداخلاً ومتشابكاً ومترابطاً، كما لم يكن يوماً، ولكن السؤال المهم هو: كيف يجوز لنا التفاخر بمعرفة لغات الآخرين ولا نشعر بالقصور والعجز لعدم معرفة لغتنا، التي هي لغة عالمية كانت ذات يوم لغة أمم وأقوام أخرى غير أصحابها العرب؟ طبعاً لن تنقص هؤلاء الذين لا يجدون في عدم معرفتهم أو تمكّنهم من لغتهم العربية الحجج والذرائع، كالزعم بأنها لغة عاجزة، قاصرة، غير قادرة على مواكبة الجديد في العلم والثقافة والفكر، لكن لو جارينا هذا المنطق لجاز لنا أن نقول إنه على الصينيين واليابانيين والروس أن يغادروا لغاتهم، لا لسبب وإنما لأن الكثير من المفاهيم والمصطلحات الجديدة ذات جذور أنجلو سكسونية أو فرانكفونية.

حسناً. لنوافق على أن لغتنا بحاجة فعلاً إلى تطوير كي لا تبقى جامدة، فتلك مهمة جديرة بعناية أهل اللغة والفكر والثقافة والعلم والأدب منا، لا أن نهرب من هذا الاستحقاق بإدارة الظهر لهذه اللغة واعتبارها في نطاق اللغات الآيلة إلى الاندثار، وهذا ما أوحت لي به مداخلة للشاعر العربي أدونيس قالها في معرض الكتاب بأبوظبي قبل يومين، وهو يتحدث عن ظاهرة عربية ليس لها مثال في العالم، تتمثل في أنه ليس هناك شاعر في العالم يخطئ بلغته الأم إلا العرب، وهذا  في رأيه  يرقى إلى مقام الكارثة، إن لم تتداركه مؤسساتنا التربوية والجامعية.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"