أمانة وطن

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

يقال: يجب أن نحب ما نعمل ونعمل ما نحب، وأقول: ما كان معجوناً بالشغف والرغبة سيزهر وينمو.
أيام قليلة تفصلنا عن تخرج دفعة جديدة من أبنائنا، طلبة الثانوية العامة، وفعلياً بدأت حفلات التخرج والتتويج لطلاب 2022، والتباريك تسبق امتحاناتهم والهدايا بدأت تجهز لاستقبال نتائجهم بعد حين ويبقى السؤال المكرر منذ عقود لكل خريج والمجتمع: وماذا بعد الحفل والهدايا؟
يؤسفني أن أسمع إلى اليوم بعض الطلبة متخبطين في اختيار ما يريدون لمستقبلهم، والمزعج أكثر من ذلك أن يعيشوا تيهاً واضحاً حين تسألهم: ماذا تحب؟ ما هو شغفك، وأين تتطلع لأن تبدع فتصدم بإجابات ظننتها انتهت منذ زمن. يقول أحدهم: صديقتي التي سبقتني تدرس تخصصاً ما، وسأتبعها، وآخر يقول لك: فلان من الأهل يدرس تخصصاً ما ويقول إنه ممتع فأتبعه، وآخرون أعتقد يلعبون الغميضة أثناء اختيار التخصصات في ورق القبول للجامعات.
أسأل أولياء الأمور هنا، أين تحليلكم لما مر به طفلكم حتى غدا يافعاً خلال 12 عاماً، هل جرت الأحاديث التي تفتح عيونهم وعيونكم على ما يحبون، أو أن يدركوا خبايا ما هم شغوفون به، هل كانت هناك مراحل من الانفتاح على العالم وتطوره وانخراط في المجتمع العملي والفعاليات التي تعقد بين الحين والحين حتى يدرك كلا الطرفين ما هو المسار الصحيح؟ وهل حصل وتحدث الجميع بعيداً عن ابن فلان وفلانة؟ وهل أصبحنا من النضج بأن لا نستخف بالتخصصات الإبداعية، والثقافية؟ وهل صرنا منفتحين حتى نهيئ هذا اليافع لأن يدلو بدلوه ويفصح عما في قلبه؟ أم لا يزال التردد والخوف من أن يعاب أو يعاتب سداً منيعاً يمنع حواراً سيمنع الندم عمراً؟
أيها الطالب: إن الاختيار ليس بالسهل، وحتى وأنت تختار لربما بعد التخرج تتغير الميول، وتنجذب لعوالم كنت تظنها بعيدة عنك، لكني أظنها هي العوالم التي خفت أن تتكلم عنها وتختارها وبقيت مختبئة في قاع نفسك، حتى تدرك في يوم أنك غريب ووحيد في خضم كل الإنجازات والنجاح الذي لا يعطيك سوى إحساس الفراغ المجهد، عملية التوازن مهمة، وأن ندرك كيف نتعلم وكيف نستمتع هي ميزان الحكمة وإدراك الأنسب، لا يمكن أن نتجاهل العلوم التي اختفت، والعلوم التي استحدثت، ولا يمكن أن نتجاهل احتياج الدولة لتخصصات ما، وما يتطلبه السوق، لكن ما يجب أن نصر على أن نركز عليه أن لا نخرج أجيالاً كالآلات تقدم وتموت داخلياً ولا تكون مصدر ابتكار وإبداع؛ بل مجرد طابور من منفذي الإجراءات.
المسؤولية كبيرة، على الأهل، التعليم والطالب نفسه، التأخير في مثل هذه الحوارات درب ندم، والاستعجال في الاختيار حتى نرضي المجتمع الذي حولنا قصة فشل وإن كان ظاهرها النجاح، وأن نسد الآذان عن مشاعر هؤلاء اليافعين وكيف ينظرون للحياة ومستقبلهم هو الفشل الذي لا نتمناه لدولتنا، أنصتوا واسمعوا وهيئوا كل السبل، هذه أمانة وطن.

[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"