اسكتلندا جديدة

بناء مجتمع متساوٍ وعادل ومستدام
00:01 صباحا
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
غريغور غال
* غريغور غال، محرر في «سكوتيش ليفت ريفيو» ومدير مؤسسة جيمي ريد، وهو مؤلف ومحرر لأكثر من عشرين كتاباً. من مواليد اسكتلندا عام 1967 وأستاذ في جامعة ستيرلنغ وجامعة هيرتفورد شاير

شهدت اسكتلندا بعد استفتاء الاستقلال في 2014 تحولات عدة، ظهرت ملامحها بعد هزيمة زعيم حزب العمال البريطاني، جيمي كوربن، في 2019، وحدوث جائحة كورونا في 2020. ويتناول الكتاب البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في اسكتلندا، ويسعى إلى طرح حلول لمشكلات عدة، ومتراكمة ضمن إطار ديمقراطي مستدام.

لا يزال عدم المساواة والظلم يطارد اسكتلندا بعد أكثر من عشرين عاماً من انتقال السلطة وفق قانون التفويض في 1998. بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتنامي أجندة وستمنستر اليمينية، تتزايد الدعوات الاسكتلندية إلى مزيد من الإصلاح الدستوري لحل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملحّة، كما يستمر انقسام السكان حول الحصول على مزيد من التفويض أو الاستقلال.

 وفي هذا الكتاب الصادر عن دار بلوتو للنشر (20 مايو 2022) باللغة الإنجليزية ضمن 352 صفحة، يضع عدد من الناشطين والأكاديميين البارزين نماذج الإصلاح الجذري، ويوضحون كيف يمكن للمجتمع الاسكتلندي أن يتحول من خلال ترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية ضمن مجموعة متماسكة من الأفكار السياسية.

 يقدّم في هذا العمل مزيج من الأكاديميين من جميع أنحاء اليسار السياسي، وجهات نظر حول الاستقلال، و«البريكست»، والديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية، ويركزون على القوى الاجتماعية اللازمة للعمل كوكلاء للتغيير لتحقيق تحول جذري في المجتمع في اسكتلندا، ويؤكدون أن هناك الكثير الذي يمكن القيام به داخل اسكتلندا الحالية والمستقبلية لحل المشكلات. ويأخذ المؤلف في الاعتبار التحديات التي تؤثر في التغيير الجذري، قبل استكشاف مناهج جديدة للأسئلة الرئيسة مثل الرعاية الصحية والتعليم والملكية العامة والعرق والجنس وحقوق الإنسان.

1

 يتمحور جوهر الكتاب حول طرح أربعة أسئلة: ما الخطأ في الوضع الاسكتلندي الحالي؟ لماذا الوضع الحالي على هذا النحو؟ ما هي البدائل الجذرية التقدمية؟ وكيف يمكن تحقيق البدائل؟

 تساعد الفصول في الإجابة عن هذه الأسئلة بطرق مختلفة. ويقدم الجزء الأول فصولاً تأسيسية للمنظور الكلي تغطي الاهتمامات الموضوعية لليبرالية الجديدة والرأسمالية والديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية.و يتناول الجزء الثاني على وجه التحديد قضايا التطبيق والممارسة.

 ترسيخ العدالة الاجتماعية

  يتساءل المؤلف في بداية العمل: «أين تقف العدالة الاجتماعية في اسكتلندا بعد عقدين من الألفية الجديدة؟»، ويقول: «في صيف عام 2021، تم إصدار بيانات عن العدد المتزايد والمستمر للوفيات الناجمة عن تعاطي المخدرات في اسكتلندا. وتلت ذلك إحصاءات عن الوفاة بسبب تعاطي الكحول. وإلى جانبها، كانت هناك أرقام متعلقة بالتحصيل العلمي. وأظهرت البيانات الثلاثة أنماطاً واضحة من اللا مساواة الاجتماعية في اسكتلندا، ليس اللا مساواة الطبقية فقط، بل أيضاً اللا مساواة ضمن الطبقة. وبعبارة أخرى، أظهرت المناطق الأكثر حرماناً معدلات وفيات أعلى بكثير ومعدلات تحصيل علمي أقل بكثير. ويمكن إضافة دراسة لاحقة أجريت أيضاً في صيف عام 2021 عن كثرة محال المراهنات وموقعها في المناطق التي تعاني الحرمان الشديد. هنا، برزت غلاسكو كثاني مدينة على مستوى بريطانيا تحتضن هذه النشاطات. كما تضاف قضايا تزايد الفقر في الغذاء والوقود إلى هذه السردية. ومن المرجح أن يكون الوباء أدى إلى تفاقم هذه الاتجاهات»، ويضيف المؤلف بالقول: «في غضون ذلك، كشف تحقيق صحفي بعنوان «من يدير اسكتلندا؟» أجرته وكالة «ذا فيريت» الإعلامية في عام 2021 عن مزيد من الأدلة على الجانب الآخر من معادلة اللا مساواة، أي شكل ثروة الطبقة الحاكمة وتأثيرها والجهات، أو الأشخاص المرتبطين بها، والذين غالباً ما يكونون تحت ستار ضمن الطبقة المهنية الإدارية».

 ولا تزال اسكتلندا دولة غنية بالمعايير العالمية، لكن المؤلف يرى أنها «دولة غنية مملوءة بالفقراء، حيث يتجاوز الفقر فيها بكثير مسألة الثروة والدخل. وكلا الجانبين من المعادلة موجود، على الرغم من أن البعض قد يجادل أن هناك جهود كبيرة بذلتها الحكومات الاسكتلندية المتعاقبة منذ انتقال السلطة إلى البرلمان الاسكتلندي لتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد يذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك، مقترحاً أن المشكلات قائمة أيضاً إلى حد كبير بسبب تصرفات الحكومات الاسكتلندية المتعاقبة. بعبارة أخرى، وعلى عكس السياسات المعلنة، اختارت الحكومات الاسكتلندية عدم التحرك لتحدي المصالح الراسخة التي تخلق وتديم اللا مساواة الاجتماعية، أو يمكن القول إنها تعاونت حتى في إدامتها. لذلك لا تزال اللا مساواة مستمرة في المجتمع الاسكتلندي بعد أكثر من 20 عاماً من نقل السلطة، سواء تم قياسه من خلال نماذج الثروة، أو متوسط ​​العمر المتوقع، أو التحصيل العلمي. وبالتالي، فإن نقل السلطة لم يوفر الدرع التي تأمّلها وتوقعها البعض ضد أجندة وستمنستر اليمينية والليبرالية الجديدة. وفي بعض الأحيان، يُعزى هذا إلى الطبيعة المحدودة للتسوية الحاصلة، وأحياناً إلى الاختيارات التي اتخذتها الأحزاب المهيمنة في اسكتلندا. لهذا، يمكننا أن نضيف أن البعض يعتقد - من اليمين وكذلك اليسار - أن تلك التوقعات، لأسباب أخرى، كانت غير واقعية».

 آفاق التغيير

يركز المؤلف في معظم الفصول على ثلاث قضايا رئيسة هي: العدالة الاجتماعية، والنظام السياسي الراسخ في اسكتلندا، وآفاق التغيير في المستقبل. ويشير إلى أن جميع الأحزاب السياسية السائدة في اسكتلندا من يسار الوسط (الخضر، حزب العمل، الحزب الوطني الاسكتلندي) تدعم النموذج السياسي للعدالة الاجتماعية، وأفضل تجسيد لها هو السعي وراء أجندة «الإنصاف». ويعلّق على ذلك بقوله: «في الواقع، يمكن للمرء أن يبرهن بشكل مقنع على أن الهيمنة على خطاب المساواة الاجتماعية في اسكتلندا تعني أنه حتى المحافظين لا يناصرون علانية اللا مساواة الاجتماعية، كما فعلت مارغريت تاتشر، لتكون محركاً للازدهار والحرية».

 ويجد أن كل هذا جرى خلال حقبة الليبرالية الجديدة التي دفعت الديمقراطية الاجتماعية في اسكتلندا مرة أخرى إلى حالة انكماش، ويقول إنه «غالباً ما يكون تدخل الدولة المحدود للغاية هو إنقاذ المؤسسات من ويلات قوى السوق الرأسمالية، بدلاً من السيطرة بشكل استباقي على القطاعات الاستراتيجية من أجل المنفعة العامة. ويزعم الحزب الوطني الاسكتلندي على موقعه على شبكة الإنترنت أنه «يسار الوسط وديمقراطي اجتماعي»، لكن الليبرالية الجديدة بأشكالها المختلفة (مثل «الليبرالية الاجتماعية» للحزب الوطني الاسكتلندي) استحوذت بطريقة استعمارية على المؤسسات العامة والخاصة، للحوكمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في اسكتلندا. 

 وبالنسبة إلى البعض، يشير هذا إلى الطريق إلى الاستقلال بدلاً من تعزيز انتقال السلطة، خاصة وأن «الطريق البريطاني» نحو الديمقراطية الاجتماعية (في إطار مشروع كوربن) قد انحسر. ولكن إذا كانت قضية الاستقلال قوية في ما يتعلق بتحقيق المساواة الاجتماعية، فيجب أن تستند إلى التحرر من هذه الاتفاقيات والقيود من أجل الإجابة بشكل مقنع على الأسئلة: الاستقلال عن ماذا، ومن؟ والاستقلال من أجل ماذا، ولمن؟ سيكون من السذاجة إلى حد ما أن نتوقع أن يكون الحزب الوطني الاسكتلندي، بالنظر إلى سجله في منصبه إضافة إلى تصريحاته السياسية بشأن مستقبل اسكتلندا، هو الحزب الذي سيحقق هذا الانهيار.

 ويؤكد الكاتب أنه لكي تصبح العدالة الاجتماعية مؤثرة ومثمرة، يجب أن تسود مبادئ العدالة التوزيعية التي تشمل الجانب الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والسياسي، وتشمل أيضاً معايير الإنصاف والمساواة والمساواتية (كمذهب فلسفي)، إضافة إلى مكونات القوة والموارد والحاجة والتكاليف والمسؤولية. بشكل أكثر تحديداً، تستند العدالة التوزيعية على تحديد الجوانب النوعية والكمية للنتائج، من حيث تحديد أقصى نسبية بين التقاطعات الاجتماعية للطبقة والجنس والعمر والعرق، وما إلى ذلك، هنا، تحل المساواة في الوصول محل المفهوم الزائف لتكافؤ الفرص، بحيث يمكن تحقيق النتيجة، حيث يصبح التوزيع العادل بمرور الوقت أقل اعتماداً على أكبر فائدة يتم تقديمها بالضرورة إلى الأقل حظاً.

 مواجهة التحديات الراهنة

 يجد المؤلف جريجورغال أن البعض يتخذ شكل المسؤولية الاجتماعية للشركات أو المفاهيم الليبرالية لمصلحة وطنية فردية. وعلى النقيض من ذلك، يرى البعض من الراديكاليين أن الدولة يجب أن تتخذ خطوات لمنع حدوث عدم المساواة في المقام الأول، بدلاً من السعي إلى تحسينها بعد حدوثها عن طريق الضرائب والمزايا، كما يحدث مع سياسات إعادة التوزيع. ويمكن أن تتراوح هذه المفاهيم الراديكالية من الديمقراطية الاجتماعية إلى الاشتراكية. ويوضّح أنه «على أي حال، فإن ملكية وسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل وكذلك مصادر الثروة والدخل الأخرى سوف تتسع بشكل كبير. وتُعرَّف الديمقراطية الاجتماعية الحديثة عادة على أن الدولة تتدخل بشكل كبير في عمليات ونتائج السوق من أجل تعديل وتخفيف عواقب الرأسمالية، كما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية مع نماذج تأميم القطاعات الرئيسية، وضوابط الأسعار (على سبيل المثال الطعام، الإيجار، التعليم الإضافي والعالي المجاني، وبناء المساكن العامة الجماعية). هذا، إذن، لا ينطوي على إلغاء السوق. وستشهد نسخة ما قبل التوزيع من الديمقراطية الاجتماعية تأكيداً أكبر بكثير على التحكم في العمليات التي تعمل بها الرأسمالية، بحيث تكون هناك حاجة إلى تدخل أقل بعد الأمر الواقع. وقد تكون الأمثلة هي الحد الأقصى للأجور أو الحد الأدنى للدخل للحد من عدم المساواة في الأجور. 

 وكانت الأولى فكرة سياسية أعيد إحياؤها لفترة وجيزة خلال الأزمة المالية العالمية، لا سيما في قطاع الخدمات المالية بسبب عمليات الإنقاذ الحكومية، ولكن، للأسف، من دون تأثير كبير. ولم يعد هذا الأخير فكرة غريبة على ما يبدو بعد تجربة الإجازة، حيث دفعت الدولة وضمنت حداً أدنى من الدخل للملايين. ويمكن تحقيق رفع المستوى بالنسبة إلى البعض عن طريق خفض مستوى البعض الآخر. هناك، إذن، منطق واضح وقوي للتوزيع المسبق وليس بعد إعادة التوزيع. ومع ذلك، من المحتمل أن تكون التحديات في تحقيق ذلك أكبر لأنها تشكل تحدياً صارخاً للمصالح الراسخة للرأسماليين والرأسمالية».

 ويشير غال إلى أن التحديات الحالية لإنشاء عدالة توزيعية تشهد توسّعاً مع إضافة جزء مهم آخر إلى المعادلة، وهو العدالة البيئية، قائلاً: «تتميز العدالة البيئية بمشكلات مماثلة تتعلق بمرونة التعريف، وهيمنة الخطاب من قبل الأحزاب السائدة، ونفس القوى الاقتصادية التي أنتجت عدم المساواة الاجتماعية التي نتجت عن كارثة بيئية وشيكة. وفي حين أن القول ببساطة «يتطلب تغير المناخ تغيير النظام»، و«لا توجد وظائف على كوكب ميت»، وأن الأثرياء يمكنهم حماية أنفسهم بشكل أفضل من حالة الطوارئ المناخية، نجد أن هذا لا يأخذنا إلى إنتاج شيء عظيم بالضرورة. فالتغييرات المطلوبة. ومع ذلك، لا يمكننا تجنب الاعتراف بأن المُثُل هي الأساس لإنتاج تغيير اجتماعي تقدمي - جذري. ومن السهل نسبياً تحديد المثل العليا وإعادة إنتاجها وفق شروط السياسة، لكنها ضرورية من دون أن تكون كافية. وتكمن المشكلة الدائمة لجميع الراديكاليين في كيفية توليد القوى الاجتماعية القادرة على فرض وتحقيق تطبيق مُثُلهم في مواجهة العداء واللامبالاة من القوى المعارضة. فلن تدفع المثل العليا وحدها، مهما كانت ملهمة أو شاملة أو مقنعة، الجماهير إلى العمل ما لم تعكس وتمثل مصالحها المادية المباشرة».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
أظفر شافي وإلياس نجدي
1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون
1
فرانسيس فوكوياما
1
ماري إليز ساروت
1
تشاي هان كيم
1
لويس ألكسندر بيرج
1
سالفاتور إنجل دي ماورو
2
ويندي فيتزجيبون وجون ليا