الإرهاق.. التجربة العاطفية للهزيمة السياسية

تغيير الظروف الاجتماعية والاقتصادية ضروري لكنه صعب
23:23 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 5 دقائق
1

عن المؤلف

الصورة
1
هانا بروكتور
* هانا بروكتور هي زميلة أبحاث ويلكوم ترست في جامعة ستراثكلايد في غلاسكو، وهي مهتمة بتاريخ ونظريات الطب النفسي الراديكالي. وهي عضو في مجموعة التحرير وراء الفلسفة الراديكالية، وقد نشرت التحقيق الجديد في «جاكوبين»، «تريبيون»، وأماكن أخرى.

في السعي نحو عالم أفضل، لا مفر من مواجهة النكسات. قد تبدو الهزيمة ساحقة في بعض الأحيان، ولكن يجب مواجهتها بثبات. فكيف يتمكن الأشخاص الذين يقفون في الخطوط الأمامية من الاستمرار؟ للإجابة عن هذا السؤال، تستعين هانا بروكتور في هذا الكتاب بالأمثلة التاريخية لفهم كيفية تمسك الثوّار والناشطين بالأمل رغم التحديات.

يسعى هذا الكتاب إلى فهم عواقب النكسات السياسية، باستخدام مجموعة من الأمثلة التاريخية لتوضيح تأثير الإرهاق في الأفراد والجماعات، على حد سواء. ويظهر كيف أن العواقب النفسية للهزيمة يمكن أن تؤدي إلى مشاعر المرارة والانكسار، وفي الوقت نفسه، تسلط الضوء على الإمكانات التي قد تولدها لحظات الفشل، من حيث تجديد التضامن، وتقوية الروابط الجماعية.

يتسم نهج بروكتور بالتعاطف والانتقاد في الوقت نفسه، حيث تتعمق في الفروق الدقيقة في سياق النشاط السياسي. فهي تركز على المشاعر الخام التي تصاحب الهزيمة، مثل الإحباط، واليأس، والغضب، ولكنها تكشف أيضاً عن المرونة الدقيقة والتضامن الذي يمكن أن يظهر في مواجهة الشدائد. وتكمن قوة الكتاب في قدرته على ربط التجارب الشخصية بموضوعات سياسية أوسع، وتقديم رؤية شاملة للمشهد العاطفي للمشاركة السياسية.

يتناول هذا العمل التجارب العاطفية للهزيمة السياسية، وخيبة الأمل، والاستنزاف، من منظور تاريخي، حيث تتمحور الفصول حول عدد من المفاهيم، من أبرزها: الكآبة، والحنين، والاكتئاب، والإرهاق، والمرارة، والصدمة، والحداد. وفي مواجهة الآثار النفسية للنضال السياسي، يتساءل الكتاب كيف عمل النشطاء، والمنظمون، والثوريون، في مختلف الجماعات والأحزاب وحركات التحرير اليسارية، من خلال التأثيرات العاطفية للنضال السياسي.

تقول الكاتبة: التغيير صعب. إن العيش في ظل الرأسمالية يمكن أن يكون ضاراً جسدياً، ومستنزفاً عقلياً؛ فالأضرار التي تلحقها موزعة بشكل غير متساوٍ. إن تغيير الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة أمر ضروري، وعاجل. لكن التغيير صعب. من الصعب التغيير. إن الأشخاص الذين شكلتهم المجتمعات التي نشأوا فيها يتحولون في عملية محاولة تغييرها. إن الخروج عن الإيقاعات المعتادة للتنظيم الجماعي، أو تشكيل التضامن مع الآخرين ضد عدو مشترك، أو التجمع في الشوارع لمحاربة الظلم، يمكن أن يغير الحياة إلى الأبد، لكن النضالات لا تستمر دائماً. فعندما يتم سحق الحركات، وتفشل الاستراتيجيات، وينهار التضامن، وتتضاءل الطاقات، وينقلب الناس على بعضهم بعضاً، أو تعيد المجموعات إنتاج الديناميكيات القمعية للهياكل التي تقاتلها، فإن الاكتئاب الناتج عن ذلك يمكن أن يكون عميقاً من الناحية النفسية، مثل الابتهاج الذي سبقه. إن محاولة الإصلاح، فضلاً عن قلب الوضع القائم، من الممكن أن تسبب جروحاً نفسية، خاصة عندما تنتهي الحركات بالهزيمة أو التراجع.

نماذح تاريخية واجهت هزائمها السياسية

 تستخدم المؤلفة بروكتور، أسلوباً سردياً جذاباً تحاول من خلاله جعل المفاهيم المعقدة في متناول القراء. ونجد أن القصص الشخصية تقترن بالبحث الأكاديمي، ما يضفي عمقاً على الروايات، حيث تتبع رحلة الناشطين السياسيين، وتناقش تحدّياتهم، وأهدافهم. يستعرض الكتاب أمثلة عدة، من الإحباط الفردي إلى النكسات الجماعية، ليقدم فهماً واسعاً حول تأثير الهزيمة السياسية في النفس البشرية.

تستخدم بروكتور مجموعة من الأمثلة التاريخية لتوضيح الأشكال المختلفة للإرهاق، من بينها ما حدث من يأس بين أعضاء الكوميون (مجموعة عرقية وطنهم هو في الشمال الشرقي من روسيا الأوروبية حول أحواض أنهار فيتشيغدا وبيتشورا وكاما)، السابقين المنفيين إلى مستعمرة جزائية، إلى البلاشفة المنهكين الذين يتعافون بعد ثورة أكتوبر، وأيضاً للفلاحين الصينيين. يتعمق الكتاب أيضاً في القصص الشخصية، مثل نشطاء الحقوق المدنية الذين يحاربون الضجر، والنسويات الذين يستخدمون العلاج البدائي للتعبير عن إحباطاتهم.  كما تعاين المؤلفة أمثلة لثوار، مثل ليلى خالد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفيكتور سيرج، فكلاهما اعتمد عقلية التضحية بالنفس. وخضعت ليلى خالد لعملية تجميل من دون تخدير للحفاظ على عدم الكشف عن هويتها للقضية الثورية، ما يؤكد التزامها بالعمل الجماعي على حساب الراحة الشخصية. وبالمثل، وصف سيرج كيف يمكن تبادل الأفراد في الحركات الثورية، مع القليل من الاهتمام بالهوية الشخصية.

ومع ذلك، فإن استكشاف المؤلفة يمتد إلى ما هو أبعد من تمجيد التضحية بالنفس للتشكيك في تأثيرها في الصحة العقلية. وغالباً ما يؤدي الضغط الشديد لقمع الرغبات الشخصية، وتحمّل المشقة من أجل قضية جماعية إلى إجهاد نفسي، كما حدث في الانهيار العقلي لزوجة سيرج، ليوبا روساكوفا، وسط عمليات التطهير الستالينية.

تجاوز الإرهاق السياسي

يستكشف هذا العمل كيف شكلت الهزائم السياسية، وخيبات الأمل الناس الذين شكلوا التاريخ بدورهم، ويركز على تقديم حلول واستراتيجيات لتجاوز الإرهاق السياسي. وتقترح المؤلفة خطوات عملية لمواجهة الضغط العاطفي، مثل البحث عن الدعم الاجتماعي، وتخصيص الوقت للرعاية الذاتية. ويعترف الكتاب بأهمية التضامن في مواجهة خيبة الأمل السياسية، مشيراً إلى أن المجتمعات يمكن أن تتجاوز الهزيمة السياسية عندما تجتمع على روح الوحدة، والقوة، المشتركة.

تأخذ بروكتور في الاعتبار التعقيدات التي تحيط بالعمل السياسي، وتشير إلى أن الحلول البسيطة، أو العقلية الفردية، قد لا تكون كافية للتعامل مع الضغط العاطفي. بدلاً من ذلك، تقترح اتباع نهج أكثر تعاطفاً، مع الاعتراف بالدور الحيوي للتضامن الجماعي في دعم الناشطين في لحظات الهزيمة.

ويستعرض كتاب بروكتور روايات مختلفة للناشطين السياسيين والثوريين، الذين تصارعوا مع العواقب العاطفية لالتزامهم بالتغيير. كما تشير أيضاً إلى مفهوم هيوي بي. نيوتن (17 فبراير/ شباط 1942 - 22 أغسطس/ آب 1989)، وهو ناشط سياسي وحقوقي في مجال المساواة بين السود والبيض في الولايات المتحدة، عن «الانتحار الثوري»، والذي، على عكس الانتحار الرجعي الناتج عن الظروف الاجتماعية القمعية، يمثل التزاماً كاملاً بالقضايا التحويلية على الرغم من المخاطر الكامنة. ويؤكد منظور نيوتن أن الفرد الثوري قد لا يعيش ليرى التغييرات التي يناضل من أجلها، ما يسلط الضوء على المخاطر والتضحيات المحتملة الكامنة في النشاط السياسي.

يتناول الكتاب أيضاً مفهوم «الشفاء المضاد للتكيف»، حيث يسعى النشطاء للشفاء من الجروح النفسية التي تسببها الأنظمة القمعية، من دون تعزيز الهياكل ذاتها التي يعارضونها. وتستكشف المؤلفة تعقيدات هذه العملية، بالاعتماد على أمثلة، مثل العمل السريري لفرانز فانون، خلال حرب الاستقلال الجزائرية. و شكك نهج فانون في الطب النفسي في الافتراضات الاستعمارية التي غالباً ما وصفت المقاومة بأنها سلوك مرضي. وقام هو، وفريقه، في مستشفى الطب النفسي في الجزائر، بتطبيق تقنيات علاجية تحدت المنطق الاستعماري المتمثل في الاستيعاب، ما عزز نهجاً أكثر حساسية ثقافياً للشفاء.

يثير الكتاب على العموم تساؤلات حول العلاقة بين النشاط السياسي والصحة العقلية، ويشجع على فهم أكثر دقة للذات الثورية، مع الاعتراف بأن الشفاء الشخصي والنضال الجماعي يمكن أن يتعايشا من دون التقليل من الروح الثورية.

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

عن المترجم

نضال إبراهيم
https://tinyurl.com/mvdbh4pe

كتب مشابهة

1
زاندر دنلاب
1
داون سي ميرفي
1
مايكل كريبون
بوتين وشي جين بينغ
ريتشارد ساكوا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
كجيل أوستبيرج
تغير المناخ يزيد من الهجرات في العالم
درو بيندرجراس وتروي فيتيس
1
ميريام لانج وماري ماناهان وبرينو برينجل
جنود في كشمير
فرحان م. تشاك
لاجئون سوريون في تركيا
لميس علمي عبد العاطي
1
ديزيريه ليم
1
جيمي دريبر
1
جورج ج. فيث