مؤامرة ذاتية

00:30 صباحا
قراءة 3 دقائق

ربما لا يكون مستغرباً أن تجد أمريكياً يتحدث عن «مؤامرة كونية» لإضعاف أمريكا وزعزعة مكانتها كقوة عظمى وحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة. صحيح أن «عقدة الخواجة» لدينا ستجعلنا نصاب بالدهشة، لأن تصوراتنا المسبقة أن الأمريكيين – والغرب عموماً – ليس لديهم ما لدينا من تفسيرات المؤامرة وإلقاء تبعات أخطائنا على الآخرين. لكن من خبر الغرب وتعامل مع الأمريكيين وغيرهم يعرف أنهم ليسوا بهذا التميز الخارق الذي نتصوره. خاصة في العقود الأخيرة مع ما تكشف للعالم من أن الديمقراطيات الغربية قد لا تختلف كثيراً عما يوصف بالديكتاتوريات في العالم الثالث. إذ قلصت وسائل التكنولوجيا الحديثة للنشر وترويج المعلومات من الستائر التي كانت تحجب تلك العلل.
لم تكن تلك المكانة التي آلت للولايات المتحدة منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي مستدامة بالأساس، رغم هرطقات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات» وما شابه. لذا، ظل الحديث الدائم عن «نظام عالمي جديد» يعني أنه لم يتشكل بعد وأن قوى كثيرة في العالم – كبرت أو صغرت – تحاول أن تكون في التشكيل الجديد. ليس في الأمر «مؤامرة»، إنما هو صراع تقليدي يميز العلاقات الدولية بشكل دائم في أوقات الحرب والسلم على السواء. وذلك حق مشروع لجميع الأطراف أن تدخل فيه إذا أرادت تعزيز مكانتها أو أن تنكفئ على نفسها وتقنع بما ينتهي إليه الأمر بين الفاعلين على الساحة الدولية.
لا تملك الولايات المتحدة وغيرها من القوى الأخرى في العالم، ترف ألا تكون «فاعلة». إنما كان هناك تقليد قديم في السياسة الخارجية الأمريكية هو ألا تفتح واشنطن أكثر من جبهة في صراعاتها الدولية لأن ذلك يضعف قدرتها على تحقيق أهدافها. حافظت المؤسسات التقليدية على هذا النهج بشكل معقول حتى بدا دورها يتراجع منذ نهاية القرن الماضي. والواقع أن تدهور دور المؤسسات ليس قاصراً على الولايات المتحدة، وإنما يطال أغلب دول الغرب والعالم بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة ليس هذا مجال الخوض فيها.
ما نشهده الآن من تراجع في مكانة أمريكا حول العالم ليس نتيجة مؤامرات عليها، وإن كانت قوى صاعدة كثيرة لا ترضى عن الهيمنة الأمريكية الطاغية إلا أنها تسعى لتغيير ذلك بوضوح دون مؤامرات أو ما شابه. إنما هي في الحقيقة تبدو «مؤامرة ذاتية» أمريكية بالأساس ناتجة عن ضعف المؤسسات التقليدية من ناحية وربما عن «صلف العزة بالإثم» وتنامي تيارات لا تدرك أسباب القوة وطرق تعزيزها.
جاءت الإدارة الأمريكية الحالية بعد انتخابات عام 2020 بمنطق أن سابقتها «ضيعت مكانة أمريكا العالمية» وأنها هي التي ستستعيد تلك المكانة. وركز الرئيس الديمقراطي جو بايدن في حملته الانتخابية على أنه سيكون «عكس كل ما فعلته الإدارة السابقة» للرئيس الجمهوري دونالد ترامب. وفي سبيل ما يتصوره تعزيز الريادة الأمريكية للعالم، أصبحت استراتيجية الإدارة حتى قبل توليها السلطة هي «إقامة تحالف غربي واسع تقوده الولايات المتحدة يستهدف مواجهة صعود الصين وروسيا». أي أن الأساس التخلي عن الحكمة التقليدية بعدم فتح جبهتين في وقت واحد.
لم يكد يمض عام على الإدارة الأمريكية الجديدة إلا وبدأت في تغيير اتجاهها، أحياناً بدورة كاملة، من سياسة «إلغاء كل ما سبق وعمل عكسه». توسعت في استخدام سلاح العقوبات الذي اعتمدت عليه إدارة ترامب بقوة، وتراجعت عن إلغاء بعض القرارات السابقة في ما يخص جماعات إرهابية وغير ذلك. وتوشك الآن أن تتراجع عن التوجه نحو التوافق مع طهران. بل ربما ينتهي بها الأمر إلى التراجع أيضاً في حرب أوكرانيا والعودة إلى نهج الإدارة السابقة بالتفاهم مع موسكو.
بالمناسبة، لا تختلف حالة المؤامرة الذاتية تلك في أمريكا عنها في حليفها الرئيسي في أوروبا – بريطانيا. فحكومة بوريس جونسون تتخذ القرار وتتراجع عنه في غضون أيام. وأوصلت بممارساتها وضع «المؤسسة» في بريطانيا إلى حالة من الضعف والتدهور غير المسبوق. ناهيك طبعاً عن سعيها باندفاع للدخول في جبهات مختلفة للهروب من مشاكلها الداخلية. في النهاية ينعكس كل ذلك على المواطن العادي عبر ضفتي الأطلسي من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة مع الزيادة المطردة في الأسعار وانهيار قيمة الدخل.
[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"