البرلمانات العربية في عالم متحوّل

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

أد.إدريس لكريني

يتبوأ البرلمان مكانة متميزة في النظام السياسي والدستوري للدول، بالشكل الذي يجعل منه أحد المقومات الأساسية للدولة الحديثة، وهو يحمل تسميات متعددة ومتباينة، تتنوع بين مؤتمر نواب الشعب في روسيا الاتحادية، والمجمع القومي Diete في اليابان، والجمعية الوطنية في فرنسا، ومجلس الشعب في مصر، والكونغرس في الولايات المتحدة، والمجلس الوطني في الإمارات، ومجلس الشورى في المملكة العربية السعودية.
 وتنصبّ كلمة برلمان من الناحية الاصطلاحية على تحديد مكان مناقشة عدد من القضايا القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد ارتبط ظهوره بتطور الممارسة الديمقراطية الغربية، وشكّل بذلك منبراً لمراقبة مالية الدولة، ومواجهة شطط الحكام خلال فترة القرون الوسطى، ووسيلة لتقييد سلطات الملكيات المطلقة، وبخاصة في بريطانيا، قبل أن ينتشر في مختلف دول العالم.
 تحظى البرلمانات في عالم اليوم بصلاحيات مهمة، فإلى جانب مهامها المتصلة بصناعة التشريع ورسم السياسات العمومية، فهي تتمتع بمهام الرقابة على العمل الحكومي، بالإضافة إلى ممارسة بعض الصلاحيات المرتبطة بالشأن الخارجي، ضمن ما يعرف بالدبلوماسية البرلمانية..
وتنطوي المهام الرقابية للبرلمان على أهمية قصوى، بالنظر إلى كونها تجسّد أحد مقومات ومميزات النظم الديمقراطية، كما أنها تتيح مشاركة مختلف الفعاليات السياسية الممثلة بهذه المؤسسة في صناعة القرارات والسياسات العمومية، علاوة على مساهمتها في عقلنة عمل الحكومة، والحيلولة دون استئثار هذه الأخيرة وحدها بهذه القرارات والسياسات..
أتاح الدستور المغربي مجموعة من الصلاحيات للبرلمان بغرفتيه، كما مكّن المعارضة الممثلة بهذه المؤسسة باختصاصات مهمّة عدّدها الفصل العاشر منه.. وتتنوع وتتدرّج سبل مراقبة العمل الحكومي من قبل البرلمان بالمغرب، بين تلك التي تقوم على طرح المسؤولية السياسة، من خلال سحب الثقة وتحريك ملتمس الرقابة، وتلك المتصلة بتحريك آليات المراقبة المتاحة في هذا الصدد.
وفي المملكة العربية السعودية، يمثل مجلس الشورى، آلية تُسهم في المشاركة بالحكم، من خلال أعضاء يتم تعيينهم من قبل الملك، ويتم اختيارهم من بين علماء الفقه الإسلامي والشريعة والحديث النبوي، وتظل مهامهم استشارية، وهي آلية تجد أصولها وامتداداتها في الشريعة الإسلامية، وقد اعتمدت المملكة العربية السعودية تجربة الشورى منذ تأسيس الدولة على عهد الملك عبدالعزيز، لتستمر وتتطور إلى الآن.
وفي سياق تسليط الضوء على التجربتين السعودية والمغربية في هذا السياق إلى جانب تجارب عربية أخرى، نوقشت برحاب ملحقة كلية الحقوق أكدال (المغرب الكبير) في الرباط أطروحة جامعية لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، في موضوع: «البرلمانات العربية: حصيلة وآفاق، مجلس الشورى السعودي نموذجاً»، تقدم بها الباحث بندر بن حمد إبراهيم بن سويد، وحصل بموجبها على الدكتوراه في الحقوق بميزة مشرف جداً.
 وقد أشارت اللجنة إلى أهمية الموضوع، لاعتبارات تتعلق بالمهام الكبرى التي أصبحت البرلمانات تستأثر بها في عالم اليوم، سواء على مستوى إرساء السياسيات العامة، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، ومواكبة التطورات الدولية الكبرى، وإعمال الرقابة على العمل الحكومي، علاوة على تسليط الأطروحة الضوء على عمل مؤسسة البرلمان في عدد من الدول العربية، وخصوصاً فيما يتعلق منها بتجربتي البرلمان المغربي بغرفتيه، ومجلس الشورى في السعودية، والوقوف على أهميتها وخصوصيتها.
اختار الباحث منهجين أساسيين في تناوله للموضوع، ويتعلق الأمر بالمنهج الوظيفي والمنهج المقارن، فيما اعتمد على عدد من المراجع من حقول معرفية مختلفة. وقد انطلق في الباب الأول من الأطروحة، من واقع التجربة البرلمانية في عدد من الدول العربية، مبرزاً خصوصيتها وآليات اشتغالها، وعلاقاتها مع غيرها من السلطات الأخرى، محاولاً الوقوف عند حصيلتها، أما الباب الثاني فخصّصه لآليات الرقابة البرلمانية في عدد من التجارب العربية وحدودها.
 كما تطرق لسياق بروز عدد من التجارب البرلمانية في المنطقة العربية، مبرزاً أنها تظل تجارب حديثة، مقارنة مع عدد من النظم الغربية العريقة، ومشيراً إلى أنها وإن استمدّت بعض مقوماتها من هذه التجارب، فهي تنطوي على قدر من الخصوصية التي تأخذ الفضاء الذي نشأت فيه بامتداداته الحضارية والدينية والثقافية والاجتماعية بعين الاعتبار، مبرزاً أيضاً أن هذه التجارب تختلف من حيث صلاحياتها وعلاقاتها بالسلطة التنفيذية التي تتسع تارة وتضيق تارة أخرى.
 وقد انتهى الباحث إلى جملة من الخلاصات، أكد خلالها على أن التجارب العربية التي تم استحضارها، شهدت تطوراً ملموساً على مستوى آليات الاشتغال والحصيلة، مبرزاً أهمية توظيف آليات الرقابة المتاحة على العمل الحكومي بشكل سليم وناجع.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2r25acpa