عن العلاقات السعودية ــ الأمريكية

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجى صادق شراب

تشكل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السعودية الشهر المقبل، واجتماعه إلى العاهل السعودي وولي عهده، وبعض القادة العرب تحولاً مهماً في السياسة الأمريكية تجاه الرياض بعد مرحلة من التوجس والارتباك.
يقول الخبير في السياسة الخارجية الأمريكية آرون ديفيد ميلر: «يريد الرئيس بايدن أن يعزل السياسة السعودية، لكنه مضطر اليوم إلى تقبيل يدها». العبارة تحمل معنيين ليس بمعنى تقبيل الأيادي، لكن بمعنى المصالح والقوة، ودور ومكانة السعودية في السياسة الأمريكية. 
 بداية إن العلاقات بين الرياض وواشنطن متجذرة تاريخياً، وتحكمها أهداف ومحددات ثابتة. فالعلاقات بين الدول ليست علاقة ثابتة؛ بل قابلة للتغير بفعل عوامل كثيرة تتعلق بالمصالح والتحولات في خارطة التفاعلات وموازين القوى الإقليمية والدولية. العلاقات بين السعودية وأمريكا تنطبق عليها هذه القواعد، لكنها تتسم بالتفرد في العلاقات، بمعنى أن الثوابت في العلاقات تبقى أكثر تأثيراً وحسماً من المتغيرات. فالولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الأحادية، والسعودية بالمقابل تعتبر الدولة المحورية والإقليمية والعالمية المؤثرة في قرارها النفطي.
 هذه المكانة والدور يقفان وراء تطور العلاقات بين البلدين. فمن منظور أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة نراها ثابتة، وأهمها ضمان تدفق النفط بأسعار معقولة، وضمان أمن وبقاء إسرائيل. هذه أهداف ثابتة لم تتغير في العلاقات. فالسعودية تلعب دوراً مهماً ورئيسياً في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وتسهم بدور في دعم المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية، والمساهمة المباشرة في دعم الاقتصاد الأمريكي.
 لعل من أسباب التوتر في العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، أن الأخيرة وبفعل الصراع القائم بينها وبين روسيا والصين تريد من الآخرين تأييدها ومجاراتها من دون الأخذ بمصالحهم وعلاقاتهم، وحتى استقلالية قراراتهم. فالسعودية كما الدول العربية الأخرى لها مصالحها الدولية، وخصوصاً مع بكين وروسيا يجب مراعاتها، وهو ما لم تقتنع به واشنطن على ما يبدو. وهذه إحدى إشكاليات العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة والكثير من دول العالم. ولم تدرك أمريكا أن المكانة السعودية لا تسمح لها إلا أن تلعب دوراً متوازناً في علاقاتها، لذا كان استقلالية القرار بالالتزام بقرار «أوبك بلس» وعدم الاستجابة للضغوط الأمريكية، ومن مظاهر الاستقلالية أيضاً التصويت في الأمم المتحدة الذي يعكس مرحلة جديدة في العلاقات تقوم على التأثير المتبادل والتوازن في العلاقات ومراعاة المصالح الاستراتيجية السعودية أولاً. ومن الإشكاليات الأخرى في العلاقات موقف الإدارة الأمريكية من حرب اليمن والحرب على الإرهاب والموقف من الجماعات الإسلامية وخصوصاً حركة «الإخوان». إضافة إلى إشكالية الملف النووي الإيراني الذي لم يتم التشاور والتنسيق بشأنه مع دول مجلس التعاون. وهذه القضايا كانت سبباً كافياً لتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية.
 لكن يبدو أن الرئيس بايدن أدرك مدى خطأ سياسة بلاده تجاه السعودية بخاصة ودول الخليج بعامة، وقرر تجاوز الخلافات وزيارة الرياض، لأن مصلحة بلاده على ضوء التطورات الدولية واستفحال الحرب الأوكرانية وتصاعد الخلاف مع الصين، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط واتساع أزمة الغذاء، تقتضي منه التراجع عن مواقف لا تخدم المصالح الأمريكية بالمطلق. وفي سياق العلاقات لا يمكن تجاهل أيضاً المتغير الإسرائيلي واتفاقات السلام التي وقعت معها، ولا يمكن تجاهل وتأثير الدور السعودي في عملية السلام بشرط ألاّ تكون على حساب الحقوق الفلسطينية وفق قرارات القمة العربية في بيروت مطلع العقد الماضي. 
 ويبقى أن هذه العلاقات في حاجة إلى المراجعة في سياق منظومة العلاقات والمصالح الثابتة وفي سياق التغيرات والتطورات في منظومة التحالفات الدولية. وفي سياق تفهم واحترام خصوصية النظام السياسي لكل بلد.
[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/bdzdtj9b