عادي

فان جوخ.. شاعر الألوان

رسم أبرز لوحاته خلال المرض
17:08 مساء
قراءة 4 دقائق
لوحة «زهرة الخشخاش»
فان جوخ
الشارقة: علاء الدين محمود
تعد لوحة «زهرة الخشخاش»، من أشهر أعمال الهولندي فان جوخ «1853 -1890»، رائد مدرستي الانطباعية والوحشية. على مستوى العالم العربي برزت اللوحة تحديداً بعد الجدل الكبير الذي أثير حول اللوحة بعد حادث سرقتها في مصر، لكن شهرة العمل على المستوى العالمي لا ترتبط فقط بتلك الواقعة، إذ تعتبر اللوحة من أجمل رسومات الفنان، إلى جانب أنها كانت نقلة كبيرة في أسلوب فان جوخ وعبرت عن لحظة مختلفة في حياة الفنان المتقلبة.
انتهى فان جوخ من رسم «زهرة الخشخاش» في عام 1887؛ قبل ثلاثة أعوام من موته منتحراً، وهي من الأعمال التي تنتمي إلى حقبة زمنية مهمة في حياة الفنان، وهي فترة وجوده في جنوب فرنسا التي لجأ إليها للعلاج من المرض النفسي والصرع والقلق والاكتئاب، حيث كان فان جوخ وقتها يعيش حياة قاسية من المرض، ويعاني تجاهل المجتمع، غير أنه خلال مرحلة تلقيه العلاج رسم العشرات من اللوحات التي عبر فيها عن مشاعره المتناقضة، فكانت تلك الأعمال تعكس ما يجيش في نفسه من ألم وأوجاع إلى جانب رغبة حقيقية في الانفكاك من تلك الحالة العدمية.
اللوحة متوسطة الحجم بقياس «54 سم× 53 سم»، رسمت بالألوان الزيتية على القماش، يصور فيها زهور الخشخاش الصفراء والحمراء في إناء في وضعية متناقضة مع أرضية مظلمة، وحاول الفنان عبر اللوحة أن يلتقط أكبر قدر ممكن من الضوء، فقد عمل على إبراز تماوج طيف الألوان، وتنتمي اللوحة إلى مواضيع الطبيعة والحياة الساكنة، وهي من الأفكار التي عبر عنها فان جوخ بالكثير من الرسومات التي تشير إلى التأمل في الطبيعة، خاصة في مرحلة وجوده في فرنسا، إذ كان موضوع المزهريات متكرر في أعماله الفنية، حيث قام برسم القرنفل والورود خاصة عباد الشمس، غير أن مواضيع الطبيعة الصامتة متعددة عند فان جوخ ولا يقتصر على المزهريات فقط فقد قام كذلك برسم «حقول القمح»، و«جسر لانغولا»، وغير ذلك من الأعمال التي تعرض في متحف أورساي في باريس وفي متحف فان جوخ الوطني في أمستردام بهولندا.
تتميز «زهرة الخشخاش» بالألوان الجريئة، وخلفية منتقاة بضربات فرشاة مثيرة ومندفعة، ونلمح فيها ذلك التناغم العجيب والحوارية الرائعة البديعة بين الألوان المشرقة، بالأحمر والأصفر الأخضر والخلفية السوداء، مع الضوء الذي قام فان جوخ بتوظيفه بصورة رائعة، بحيث تبدو اللوحة في غاية اللمعان والإشراق الذي كانت نفس الفنان تهفو وتتوق إليه.
*نقطة تحول
على العكس ما يردده الكثير من النقاد من أن لوحة «زهرة الخشخاش» ليست من ضمن أفضل أعمال فان جوخ، فإن اللوحة تعتبر ذات أهمية خاصة وكبيرة، وذلك لكونها قد وضعت نقطة تحول كبير في أسلوب الفنان، ورسمت مساراً جديداً في أعماله، فهي انعكاس لإعجاب فان جوخ الكبير بالرسام الفرنسي المعروف أدولف جوزيف توماس مونتيسيلي «1824-1886»، وهو من الجيل السابق للانطباعيين، وابتكر في أعماله تعبيراً شاعرياً بصرياً بأضواء مشعة وظلال عميقة، حيث كانت لوحاته أشبه بعالم الأحلام، فحازت رسوماته إعجاب كبير من قبل فان جوخ وعدد من الفنانين، وكان له تأثير كبير في الفن في القرن العشرين، وأطلع فان جوخ على رسومات مونتيسيلي، وشدته بصورة كبيرة وصارت مصدر إلهام بالنسبة له، وبلغ تأثره بمونتيسيلي حد أن قام بتغيير الألوان التي كان يستخدمها في السابق، حيث قام باستبدالها بألوان أشد إشراقا وأكثر جرأة في المقدمة والتي من شأنها إحداث تباين مع خلفية داكنة غالباً سوداء، كانت أعمال مونتيسيلي، كنزاً بالنسبة لفان جوخ الذي أراد الهروب من حالته النفسية المزمنة، فوجد في تلك الرسومات المفعمة بالجمال والإشراق لحظة أمل جديد بالنسبة له، فقد كان لها أثرها النفسي الجيد وبدأ معها فان جوخ يعيد تأمل الأشياء والواقع بطريقة مختلفة وأكثر إيجابية، وأقبل على الرسم بروح تحاول التحرر من الاثقال والاكتئاب الذي ألم به× وبدأ ذلك جلياً في «زهرة الخشخاش».
*تفوق
وعلى الرغم من تأثر فان جوخ الواضح بمونتيسيلي فإن الفرق في الجيل بين الرسامين يكون واضحاً عند مقارنة أعمالهما، فبينما كان مونتيسيلي يعكس في أعماله طريقة الجيل السابق للانطباعيين، حيث تسود الواقعية، فإن فان جوخ كان على النقيض من ذلك، حيث استخدم ضربات الفرشاة بصورة أشد جراءة وأكثر سمكاً، وذلك ما ظهر بصورة واضحة في «زهرة الخشخاش»، التي تعتبر بالفعل من التحف الفنية إضافة لكونها مثلت تحولاً جمالياً جديداً في أعمال فان جوخ الذي تحدث عنها في رسائله لشقيقه ثيو.
*مصير غامض
تعتبر اللوحة ذات قيمة فنية عالية وكبيرة، حيث وصل سعرها إلى حدود 55 مليون دولار أمريكي، إلا أن متخصصين أكدوا أنها تنتمي إلى تلك الإبداعات التي لا تقدر بثمن في التراث العالمي، وكانت اللوحة قد آلت إلى السياسي المصري الراحل محمد محمود خليل، الذي قام بوضعها إلى جانب مجموعته الفنية في بيته بالزمالك، والذي تحول بعد وفاته إلى متحف يحمل اسمه، ويضم أكثر من 300 لوحة لفنانين عالميين تقدر قيمتها بأكثر من ملياري جنيه، واعتبرت «زهرة الخشخاش» واحدة من أهم وأجمل مقتنيات متحف محمد محمود خليل.
*سرقة.
تعرضت اللوحة للسرقة في 23 أغسطس عام 2010، من متحف محمود خليل وموقعها غير معروف الآن، وأثار ذلك الأمر جدلاً كبيراً في مصر وكانت ذات اللوحة قد تعرضت للسرقة في وقت سابق تحديداً في عام 1977 ثم أعيدت إلى المتحف بطريقة أكثر غموضاً بعد العثور عليها بعد عشر سنوات في الكويت، ورأى البعض أن الغرض من السرقة كان نسخ اللوحة، وأن الموجودة في المتحف هي النسخة المقلدة بينما اللوحة الأصلية هربت إلى الخارج وبيعت في بريطانيا عن طريق مزاد في لندن بمبلغ 43 مليون دولار.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"