جديد قديم الثقافة

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

هل تذكر الحديث عن «جديد قديم التربية»؟ لقد جرّ القلمَ إلى طارف تليد الأدب. لعلك تذكرت طرفة بن العبد، الذي أنفق طريفه ومتلده، جديده وقديمه. كان قدماؤنا يعنون بالأدب ما نعني به الثقافة، يقولون: «الأخذ من كل شيء بطرف». الثقافة كاصطلاح، كلمة معاصرة، لأنها في الأصل، لغير العارفين، مشتقة من تثقيف العود أي تقويمه بإزالة نتوءاته، أي تهذيبه وتشذيبه. وهو اجتهاد لا يبدو موفقاً كثيراً، لأن الصورة فيها حذف وإزالة. أحسنت اللغات الأوروبية انتقاء مفردة «كولتور»، التي تعني الزراعة، وفيها صورة التثبيت الذي ينبت وينمو منتحياً نحو النور.
لا علينا، حتى وإن عاقت الفنون أمّها الثقافة في كثير من الأحيان وانتهكت التأصيل المعجمي للتثقيف، وخرجت بهبوطها عن حدود التهذيب. بيت أبي العلاء يلوح وكأنه يقدّم تبريراً للأمر: «لم يَقدُرِ الله تهذيبا لعالمنا.. فلا ترومنّ للأقوام تهذيباَ». الآن لم يعد في الإمكان إعادة النظر في اللفظ الذي اختاره أوّل من ابتكر استخدام الثقافة لهذا الغرض. المهم الأهمّ هو أن ننظر بتكريم وتجليل إلى تلك العبارة: «الأخذ من كل شيء بطرف»، فهي منظومة قيم ثقافية في جملة ظاهرها متواضع بسيط، مثل عبارة «من كل بستان زهرة». بالمناسبة: كل ورود العالم تعود نشأتها إلى مئات ملايين السنين، يوم تعفنت حبّة فراولة ونجمت عنها طفرة نشرت العبق والأريج والعطر والعبير في الجهات الأربع. توسعت إمبراطورية الورود، اجتاحت الفنون وعلم النفس. أضحى النرجس يمطر لؤلؤاً ويسقي الورد، بينما البنفسج يبهج وهو زهر حزين.
الاستطراد مردّه إلى أن جداول الأخذ من كل شيء بطرف، سواقٍ، بعضها يفضي إلى بعض. تلك من بدائع مجالات الثقافة. الروائي الرائع هو ذلك الخبير بميادين شتى، فالرواية ملعبها الحياة، والحياة بطبيعتها «متعددة التخصصات» بالتعبير العلمي. يجب أن يكون الروائي «جامعاً شاملاً». لا بدّ من أن تكون لغته قاموساً وسيعاً، وثقافته موسوعية، فلا يمكن اليوم التحرك قيد أنملة من غير زاد علمي وتقاني، فلسفي، تاريخي، جغرافي، مع باقة فنون، وإلمام بأوضاع العالم إلخ... قم للقدامى وفّهم التبجيل، فقد كان الفيلسوف فقيهاً أديباً، لغوياً، فلكياً، طبيباً، موسيقياً، ملماً بالرياضيات. ماذا تعني العودة في مراكز البحث العلمي والجامعات، إلى المعادل الحديث: «العلوم المتعددة التخصصات»؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الدعابية: يعرّف الفيزيائي نيلز بوهر التخصص بأنه الإلمام بكل الأخطاء التي يمكن ارتكابها في مجال محدود جداً.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"