سياسات السلام الصـعـبــــة

التنافس في جنوب آسيا الحديثة
23:05 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
2
2
2

عن المؤلف

الصورة
1
كريستوفر كلاري
* كريستوفر كلاري أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة ألباني، جامعة ولاية نيويورك، وزميل غير مقيم في برنامج جنوب آسيا التابع ل«مركز ستيمسون» في واشنطن العاصمة. وهو حاصل على زمالات في «معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة» بجامعة براون، و«مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية» بجامعة هارفارد، و«مؤسسة راند» في واشنطن العاصمة، ومجلس العلاقات الخارجية. عمل سابقاً في مكتب شؤون جنوب وجنوب شرق آسيا التابع لمكتب وزير الدفاع.

 منذ استقلالهما في أغسطس/ آب 1947، دخلت الهند وباكستان في منافسة؛ حيث نظرت كل منهما إلى الأخرى على أنها تشكل تهديداً عسكرياً. أنتجت تلك المنافسة ما لا يقل عن عشر أزمات خطرة وأربع حروب، ويستمر التنافس حتى اليوم، لكن على الرغم من الصراع، كانت هناك فترات من السلام ولحظات من الأمل. يسعى هذا الكتاب إلى الإضاءة على تلك الفترات واللحظات، بغية المضي قدماً في تأسيس تعاون وثيق بينهما.

يطرح هذا الكتاب سلسلة من الأسئلة المترابطة؛ مفادها: لماذا ومتى تسعى الدول المتنافسة إلى التعاون أو الصراع مع بعضها؟ متى يكون التصعيد أكثر احتمالاً عند ظهور الأزمات، ومتى يكون إلغاء هذه الأزمات أكثر صعوبة؟ وربما كان الأمر الأكثر أهمية، لماذا صنع السلام أمر بالغ الصعوبة على الرغم من الفوائد الوفيرة التي قد تنجم عن علاقات دولية أكثر استقراراً وسلمية؟

 يقدم كريستوفر كلاري في هذا العمل، معاينة منهجية لصناعة الحرب وبناء السلام في التنافس بين الهند وباكستان منذ عام 1947 حتى الوقت الحاضر. وبناء على أدلة جديدة من وثائق رفعت عنها السرية مؤخراً ومقابلات مع صانعي السياسات، يتتبع الكتاب تاريخ الهند وباكستان المعقد، بغية شرح أنماط التنافس المستمر بينهما، ويبين أن السياسات المحلية في الأغلب تطغى على المصالح الاستراتيجية، وأن العلاقة المدنية-العسكرية الخطرة لباكستان وسياسات التحالف المتصدعة في الهند، قد حطمت مراراً القادة الذين حاولوا بناء سلام أكثر ديمومة بين الخصوم في جنوب آسيا. يقدم الكتاب فهماً لأسباب الحرب والسلام الذي يدفvع بالسياسات المحلية الصعبة والخطرة في بعض الأحيان إلى الواجهة.

 جنوب آسيا وسياسة التنافس

 للإجابة عن الأسئلة أعلاه، يقدم الكتاب معاينة منهجية للصراع والتعاون من خلال التاريخ المعقد للهند وباكستان عبر الأنماط الشائعة في العلاقات بين الدول المتنافسة الأخرى. على وجه التحديد، يبين لماذا ومتى تسعى الدول المتنافسة إلى صنع الحرب أو بناء السلام؟

 يقول المؤلف: «تندلع الحرب عندما يعتقد القادة أن مصالحهم الكبرى تكمن في قدر أكبر من العنف، والذي يعني إلى أبعد حد بدء الأعمال العدائية العسكرية العلنية والواسعة النطاق بين الدول. قد يبدو تفاقم النزاعات السياسية غير مقبول. قد توفر الاشتباكات المحلية شرارة. في مثل هذه المواقف، يتعين على القادة اختيار تصعيد مثل هذه النزاعات أو وقف تصعيدها. هل يحاولون كسر الجمود السياسي من خلال استخدام المزيد من العنف؟ هل يعودون إلى ما كانوا عليه قبل الأزمة؟ أم أنهم يحاولون بناء سلام أكثر ديمومة؟»

 ويضيف: «يقام السلام عندما يعتقد القادة أن مصالحهم العليا تتحقق من خلال تحسين العلاقات بين المتنافسين من أجل التخفيف من مخاطر الصراع وتحرير الموارد لمصلحة الأولويات الوطنية الأخرى. عندما يغامر القادة بالدفع نحو مسارات تصالحية، فإنهم سيواجهون ضغوطاً للعودة إلى عادات المواجهة القديمة. سيواجه القادة التصالحيون، المتشككين والمفسدين في الداخل. الحقيقة التجريبية المحزنة هي أن مبادرات السلام تنهار أكثر من استمرارها. تنتج عن ذلك مجموعة من خيارات السياسة التي تواجه القادة في دول المنطقة التي يمكنها تحريك العلاقة في اتجاه تصعيدي نحو السلام أو الحرب».

 ويرى الكاتب أن وصف العلاقة بين الهند وباكستان بأنها «صراع لا ينتهي» هو في أحسن الأحوال غير مكتمل، قائلاً: «هناك عدم تجانس للصراع والتعاون تحت سطح من التنافس الدائم»، ويشير إلى «رفض القادة الوطنيين في الهند وباكستان في كثير من الأحيان الاكتفاء بمساحات صغيرة من التعاون وسط نطاق أوسع».

 كانت هناك محاولات وجهود طموحة لتحويل العلاقة إلى سلام أكثر ديمومة، وحدث ذلك بمستويات مختلفة من النجاح، مشيراً إلى أن الكتب والأبحاث السابقة في الأغلب تعاملت مع هذه المناسبات على أنها تجارب ساذجة أو مجرد فترات من توقف القتال. ومع ذلك، فهي مهمة ليس فقط لرؤية تعزيز المزيد من التعاون؛ بل أيضاً لأن التطبيع المؤقت بين الهند وباكستان يعني تحسينات ذات مغزى في حياة الهنود والباكستانيين، وخاصة أولئك الذين يعيشون بالقرب من الحدود المتنازع عليها.

 يركز الكتاب على السياسات الفريدة التي تظهر داخل الدول المتنافسة، وكيف تفضل تلك السياسات إدامة المواجهة، وكيف أن قادة بارزين يتمتعون بالقدرة على اتباع مسارات تصالحية عندما تشجعهم الحوافز الاستراتيجية على القيام بذلك. يؤكد الكتاب أن السياسة داخل الدول المتنافسة تتغير أيضاً، فكل دولة عدو حقيقي للأمن القومي، يولد فصائل داخلية ضمن إطار مواجهة مستمرة مع خصمها الخارجي. هذا التحول في السياسة الداخلية هو السبب الرئيسي الذي يجعل المنافسات، بمجرد ظهورها، مستعصية على الحل.  إن تشكيل عملية سلام بينما لا تزال الفصائل المتشددة تسيطر على مراكز القوة في قمم السلطة أمر إشكالي من الناحية الإجرائية وخطر من الناحية القانونية. ونتيجة لذلك، يرى المؤلف أن عدم قدرة القادة على دعم المبادرات التصالحية يعود إلى عدم توطيدهم سلطتهم على السياسة الخارجية داخل حكوماتهم.

 تفترض العديد من الروايات أن العلاقات تتحسن بين الدول المتنافسة عندما تزداد تكاليف المنافسة بشكل كبير جداً، أو عندما تصبح مخاطر الصراع غير قابلة للإدارة، أو عندما يعيد تهديد جديد - لا سيما عدو مشترك – ترتيب الأولويات. تركز العديد من الروايات على هذه الحوافز الاستراتيجية التي تفضل السلام.

 صدارة القائد

 بغية إحداث مزيد من التعاون أو الصراع في الخصومات الدائمة، يعرض المؤلف في الفصل الأول نظرية يسميها «صدارة القائد»، ويبين لماذا تعد سلطة السياسة الخارجية الممزقة مدمرة لمحاولات إقامة سلام دائم، ويقارن نظريته بالعديد من التفسيرات البديلة البارزة للسلام والصراع. تسعى هذه النظرية الجديدة إلى تفسير متى ولماذا يكون الصراع والتعاون أكثر ترجيحاً في الخصومات القائمة، والتي تركز على العلاقة بين الهند وباكستان. يبني المؤلف هذه النظرية على الملاحظة القائلة إن السياسة داخل الدول المتنافسة تتميز بمنافسات مريرة وعالية المخاطر على السلطة والتأثير في السياسة الوطنية. تظهر الخلافات بين المتشددين والمعتدلين حول أفضل طريق للمضي قدماً مع أعداء متنافسين. إن الصقور والحمائم والمتشددين والمعتدلين لزجون، لكنهم لا يتغيرون. يمكن للأفراد تبديل المعسكرات، ويقومون بذلك أثناء محاولتهم التقدم في حياتهم المهنية. إن أعباء الحكم، على وجه الخصوص، تدفع بالقادة نحو الاعتدال، بينما تشجع حوافز سياسات المعارضة على التشدد. المهم هو كيف يغير الصراع على السلطة في الداخل الخيارات الاستراتيجية التي يتخذها القادة تجاه الأعداء الخارجيين؟.

 يجادل الفصل بأن القادة الذين يسعون إلى المصالحة في الخارج لا يمكن أن ينجحوا دون تهميش خصومهم المحليين الأكثر تشدداً أولاً. يقول المؤلف: «هناك عدم تناسق في أي نزاع سياسي بين الصقور والمعتدلين. والتقاعس عن العمل يكون من نصيب الصقور في المنافسات الدائمة، لأن المعتدلين يتحملون الجهد في المهمة الأكثر تحدياً؛ المتمثلة في تغيير السياسة الخارجية. عندما تنقسم سلطة السياسة الخارجية، تنتهج الدول المتنافسة سياسات الجمود والتصعيد. فقط عندما تكون مركزة، يكون للقادة الحرية لمحاولة التوفيق إذا كانت الحوافز الاستراتيجية تفضلهم. قد يشك البعض في أنه من المرجح أن يتم تعزيز سلطة السياسة الخارجية عندما تكون الحوافز الاستراتيجية قوية. بعبارة أخرى، فإن قدرة القادة على التحكم في السياسة الخارجية أمر داخلي لاحتياجاتهم للقيام بذلك. يختلف مفهوم صدارة القائد عن التصنيفات الأكثر شيوعاً للسلطة بناءً على أنواع الأنظمة أو الهياكل المؤسسية الرسمية. في حين أن ثلاثة من الدكتاتوريين العسكريين الأربعة الباكستانيين (أيوب وضياء ومشرف) حققوا «الصدارة» في النظام الباكستاني، على الأقل لجزء من فترات ديكتاتورياتهم، فإن الاستبداد ليس مطلوباً لتحقيق «صدارة القائد»، ولا يضمن الطغاة بشكل تلقائي «صدارة القائد». حصل العديد من القادة المدنيين في الهند على «الصدارة» من دون اللجوء إلى الاستبداد. في باكستان، لم يحصل يحيى خان على الصدارة أبداً، وتدل فترات حكم أيوب ومشرف على أن «صدارة القائد» يمكن أن يضيّعها الديكتاتوريون الذين استحوذوا عليها ذات يوم.

 خلافات سياسية

 يناقش الكاتب في الفصل الثاني أصول التنافس بين الهند وباكستان، قائلاً: أدى عنف التقسيم والفشل في الاتفاق على مصير ولاية جامو وكشمير الأميرية السابقة إلى دخول الدولتين اللتين خلفتا الهند البريطانية في مواجهة مبكرة. فالعديد من الخلافات السياسية الأساسية التي تعقّد العلاقة كانت واضحة خلال السنة الأولى المضطربة لاستقلالهما. بحلول نهاية عام 1948، كان من الواضح أن الهند وباكستان تنظران لبعضهما على أنهما عدوان ومنافسان عسكريان.

 يعاين المؤلف في الفصل الثالث الجهود الأولية لحل نزاع كشمير وسبب فشل تلك المفاوضات على الرغم من المشاركة المكثفة للمجتمع الدولي. يدرس الفصل أيضاً كيفية تمكن رئيسي الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والباكستاني علي خان من تجنب العودة إلى الحرب في عام 1950 على الرغم من الضغوط الشديدة للقيام بذلك أثناء أزمة البنغال.

 ويعاين المؤلف في الفصل الرابع سلسلة من المبادرات التصالحية بين الهند وباكستان من 1958 إلى 1960، والتي بلغت ذروتها في معاهدة مياه السند. ظل نهرو في مركز صنع السياسة الخارجية الهندية وكان قادراً على إحراز تقدم مفاجئ في حل العديد من النزاعات الثنائية العالقة في أعقاب انقلاب الجنرال في الجيش الباكستاني أيوب خان في عام 1958.

 يبحث الفصل الخامس في الأسباب التي جعلت العلاقات الجيدة بين الهند وباكستان عابرة. ويتناول صعود ذو الفقار علي بوتو في السياسة الباكستانية ودوره الحاسم في حرب عام 1965 والسلام غير المكتمل في طشقند. يستمر الفصل السادس في قصة بينظير بوتو من خلال توثيقها ودورها في سياسة التشنجات اللاإرادية الباكستانية في أزمة شرق باكستان، وحرب عام 1971، وهزيمة باكستان الكارثية في ذلك الصراع. ويتطرق الفصل السادس أيضاً إلى صعود بوتو إلى قمة السياسة الباكستانية، وكيفية ارتباط تلك الفترة بتحسن العلاقات الهندية  الباكستانية بعد صدمة حرب عام 1971.

 يبحث الفصل السابع في المأزق الذي وصلت إليه العلاقات الهندية  الباكستانية في الثمانينات والتسعينات بعد إطاحة بوتو من قبل الجيش الباكستاني. يقول المؤلف: على الرغم من الزعماء الأقوياء في كل من إسلام أباد ونيودلهي في أوائل الثمانينات تحت حكم الجنرال الباكستاني ضياء الحق ورئيسة الوزراء الهندية إنديرا غاندي، فإن العلاقات الثنائية توقفت في ظل غياب حوافز قوية لأجل إحداث تحول أكثر تعاوناً. فقد أدى تنامي المساعدات الأمريكية مقابل الدعم الباكستاني في أفغانستان إلى تفادي الحاجة إلى الاستبطان الاستراتيجي الباكستاني. ومع ذلك، أثبت ضياء وإنديرا غاندي وثم راجيف غاندي أن لديهم سلطة سياسية كافية لنزع فتيل العديد من الأزمات المحتملة. يوثق الفصل أيضاً كيفية تحسن العلاقات الهندية الباكستانية خلال حكومة برويز مشرف العسكرية وشراكاته غير المحتملة مع أتال بيهاري فاجبايي ومانموهان سينغ، ويوضح أيضاً سبب وكيفية توقف هذا التقدم وتأثيراته بعد فقدان مشرف السلطة في عام 2007-2008. ويختتم الفصل بدراسة عقد آخر ضائع في العلاقات الهندية الباكستانية منذ سقوط مشرف حتى الوقت الحاضر، والذي تميز بعدم وجود سلطة واضحة في باكستان لتقديم تنازلات لازمة لتحسين العلاقات بين الهند وباكستان.

 في الختام، يعاين المؤلف الآثار المترتبة على هذه الحجج لكل من دراسة وممارسة السياسة الدولية، وكذلك التفكير في نقاط القوة والقيود الخاصة بالنظرية التي يقدمها، ويؤكد مجدداً أن المنافسة المحلية على السلطة تحد من قدرة القادة واستعدادهم للعمل حتى مع وجود الحوافز الاستراتيجية الدولية المتغيرة.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
أندرو موناغان
1
إيفا راسك كنودسن وأولا راهبيك
2
ميشيل مودي آدامز
4
بولي باليستر ويلكينز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
جوناثان دارلينج
1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس
1
أولوفيمو أو.تايو
1
أظفر شافي وإلياس نجدي
1
مايكل راسكا، كاتارزينا زيسك، وإيان باورز
1
غريغور غال
1
عاصم سجّاد أختار
9
هيلين تومسون