عادي

القراءة.. لحظة صفاء مع النفس

إحدى أبرز لوحات خوسيه جونيور رائد الواقعية البرازيلية
20:08 مساء
قراءة 4 دقائق
الشارقة: عثمان حسن
يعتبر الرسام البرازيلي خوسيه فيراز دي ألميدا جونيور (1850ـ 1899)، من أبرز من جسدوا الواقعية في أعماله وخاصة من خلال ما قدمه من بورتريهات في أنحاء متفرقة في بلده. ولد في بلدة إيتو الصغيرة في ساو باولو، وكان والده كاهناً في كنيسة، وكان هو من شجعه على الاستمرار في الفن، عندما كان صبياً عمل كقارع جرس في كنيسة والده، حيث رسم بعض اللوحات حول موضوعات دينية، وعندما بلغ 19 عاماً نظم والده حملة لجمع التبرعات، حتى يتمكن الفنان الشاب من الذهاب إلى ريو دي جانيرو وإكمال دراسته.
التحق خوسيه في عام 1869 بالأكاديمية الإمبراطورية للفنون الجميلة، حيث تدرب على يد جول لو شيفريل وفيكتور ميريليس وبيدرو أمريكو، فبرع وحصل على العديد من الجوائز في الرسم التصويري ورسم النماذج الحية والواقعية.
إلهام
بين 1887 و1896 خلال رحلة خوسيه في أوروبا، أصبح معتنقاً للمذهب الطبيعي في الفن، وبات من أهم رسامي البرازيل، وكانت أعماله مصدر إلهام للحداثيين اللاحقين. وتحدى التقاليد الشعبية لمعاصريه ونحت لنفسه مكانة جديدة. وفي الوقت الذي كان فيه زملاؤه الرسامون يحققون الشهرة من خلال رسم الموضوعات الأسطورية والتاريخية، قرر التركيز على الواقع وتصوير جمال الحياة الريفية.
وبعد إنهاء دراسته، كان أمامه خياران، إما أن يذهب للحصول على جائزة سفر إلى أوروبا أو العودة إلى موطنه، فاختار قريته، وهناك أنشأ استوديو ليبدأ عمله رسام بورتريه، كما عمل مدرساً لمادة الرسم.
وفي عام 1876، قام الإمبراطور بيتر الثاني برحلة إلى ساو باولو. هناك شاهد أعمال خوسيه وكان معجباً جداً بها لدرجة أنه وافق على تمويل رحلته إلى أوروبا لمزيد من الدراسة. خلال مارس من العام التالي، تم فتح اعتماد في القصر الإمبراطوري بمبلغ 300 فرنك للرسام الذي ذهب للدراسة في باريس في نوفمبر. التحق هناك بالمدرسة العليا الوطنية للفنون الجميلة، حيث تميزت رسوماته بالزخارف التشريحية.
الواقعية
أثناء إقامته في فرنسا، كانت الحركة الانطباعية في أوجها، لكن أعماله بالكاد كانت تعكس أي تأثير لهذه الحركة، وعوضاً عن ذلك، كانت مستوحاة في الغالب من اللوحات الواقعية والطبيعة الفرنسية، التي برع فيها بشكل واضح.
بقي خوسيه في باريس حتى عام 1882 ثم عاد إلى البرازيل. هنا، افتتح معرضه الفردي الأول في الأكاديمية الإمبراطورية للفنون الجميلة. فعرض بعض الأعمال التي أنجزها في باريس. وفي العام التالي، افتتح استوديو في شارع جلوري في ساو باولو، وأصبح هذا الاستوديو في ما بعد قاعدة لجيل جديد من الرسامين البرازيليين مثل بيدرو الكساندرينو. رسم مواضيع متنوعة مثل المناظر الطبيعية واللوحات الفنية وصور بارونات القهوة، والمعلمين وأنصار الحركة الجمهورية، كما أعد مشاهد حصرية من أعماله للمشترين المحتملين وعرضها أمام الإعلام، وقد تمتع بشهرة هائلة وأصبح من أكثر الفنانين شهرة في موطنه.
ومن أجمل اللوحات التي رسمها خوسيه ألميدا جونيور واحدة بعنوان «القراءة» أنجزها عام 1892، وهي بأبعاد (141 × 95) سنتيمتراً.
وفي هذا العمل، فتاة مع كتابها، وهي جالسة باسترخاء على الشرفة، ولا يوجد سواها في الإطار، ما يشير إلى أن القارئة في الصورة هي من عائلة ثرية وتعيش في مزرعة. وتظهر اللوحة الفتاة مستغرقة في القراءة، أما اسمها فهو ماريا لورا، وهي أيضاً موضوع أعمال أخرى لخوسيه مثل «العروس» و«للرسم»، ولوحة «في غير محله».
وثمة تفاصيل جميلة في هذه اللوحة فهناك ظل السماء عندما تغرب الشمس في الأفق، والضوء ينعكس على وجه ماريا، وهناك مهارة عند الرسام في التقاط مشهد الكرسي الفارغ على الشرفة، وكيف يبرز الأنماط الدقيقة في أوراق الشجر، وتفاصيل الهندسة المعمارية، ما يؤهل هذا الفنان الكبير ليكون أحد أبرز رسامي الواقعية في عصره.
وتظهر الفتاة بملابسها الجميلة، جالسة على كرسي مرتفع الظهر، تقرأ بهدوء على شرفة منزلها، وتظهر الصورة جدولاً وطريقاً في جهة اليسار يؤدي إلى كنيسة وعدة منازل تعكسها المناظر الطبيعية، ما يشير إلى وجود قرية، حيث بعد ذلك ترتفع الجبال الزرقاء.
ويوجد أمام الفتاة كرسي يحتوي على غطاء رأس، ما أدى إلى الاعتقاد أن شخصاً آخر كان يرافق الفتاة.
وحصلت اللوحة على الميدالية الذهبية عندما عرضت عام 1893 في معرض شيكاغو الدولي الكولومبي، في القسم المخصص للفنانين البرازيليين.
وبين عامي 1879 و1882، شارك خوسيه في 4 دورات لصالون باريس. ابتكر العديد من الروائع خلال فترة وجوده في فرنسا مثل «البرازيلية وندم يهوذا» (1880)، و«الرحلة إلى مصر» (1881)، و«النموذج» (1882) ومجموعة من 16 لوحة توثق حي مونمارتر. في عام 1882، ذهب في زيارة قصيرة إلى إيطاليا، وهناك التقى الأخوين رودولف وهنري برنارديليو.
وفي عام 1884 شارك بعدة لوحات في إطار «المعرض العام للفنون الجميلة» في باريس، فعرض نماذج من الأعمال، والمعرض يعتبر أهم معرض في الفترة الإمبراطورية. وأشاد الناقد الفني دوكي استرادا بأعماله، وقال: «إنه من أفضل الرسامين الذين يعبرون عن الوضوح والحدة بأسلوب الرسام الفرنسي إميل بريتون».
فارس الوردة
وفي عام 1884 منحته الحكومة الإمبراطورية في البرازيل لقب فارس الوردة. كما دعاه فيكتور ميريليس ليحل محله كأستاذ لرسومات التاريخ في الأكاديمية، لكن خوسيه رفض العرض وفضل أن يظل رساماً في ساو باولو، فأنشأ مرسمه الخاص هناك.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"