عادي

رسائل زيارة بيلوسي إلى تايوان

23:30 مساء
قراءة 5 دقائق
زيارة بيلوسي لتايوان.. رسالة مزدوجة

كتب: بنيمين زرزور

الرحلة التي قامت بها نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي إلى تايوان، لا تخرج عن استراتيجية واشنطن الخاصة بمحاصرة الصين وتعزيز حضورها في منطقة المحيطين الهادي والهندي، رغم ما قيل عن تلك الزيارة، وما اتهمت به بيلوسي من أوصاف سلبية بلغت حد اتهامها «بالتهور».

نانسي بيلوسي، لم تخرف بعد، بل إنها ربما كانت الأكثر حكمة وحنكة في جوقة القيادات الأمريكية الحالية. فمن المعروف عنها حماسها للديمقراطية منذ بداية حياتها السياسية وزيارتها لميدان تيان آن مين، في بكين، ووضع إكليل من الزهور.

صحيح أن مثل هذه التصرفات الأمريكية تزيد من عمق التوتر بين البلدين، إلا أنها في الوقت نفسه تحقق أهدافاً مرسومة بدقة، إنْ على الصعيد الداخلي الأمريكي حيث يواجه الحزب الديمقراطي الذي تنتمي إليه بيلوسي، وضعاً حرجاً نتيجة ضعف أداء الإدارة الحالية عشية انتخابات التجديد النصفي، أو على الصعيد الخارجي، حيث تواجه واشنطن وضعاً معقداً نتيجة الحرب في أوكرانيا، والمواجهة المفتوحة مع الروس، وتململ شركائها الأوروبيين، بينما تقترب لحظة الحسم في المواجهة مع الصين، ما يفرض عليها الحفاظ على ماء الوجه أمام حلفائها في الجوار الصيني.

علامة فارقة

وتتفاعل التوترات عبر مضيق تايوان منذ سنوات، ويمثل قرار بيلوسي بتحدي التهديدات والتحذيرات الصارخة من بكين علامة فارقة جديدة في إعادة توجيه نمط وحدود الحسابات الاستراتيجية من قبل كل من بكين وواشنطن.

ومن خلال التركيز على الهدف الأساسي للزيارة وهو تعزيز الديمقراطية والدفاع عنها، وتأكيد الجبهة القوية في التصدي لكل من بكين وموسكو، فإنها تمثل تجديداً لمبدأ أخلاقي يمكن الاعتماد عليه، وهو أن القانون والنظام الدولي الحالي سيتم الدفاع عنه بثبات من قبل واشنطن والغرب.

وعلى الرغم من الدعوات المتزايدة لبيلوسي لتخطي التوقف في تايوان، حتى مع نأي البيت الأبيض الواضح عن نيتها، كان لا بد من تنفيذ الرحلة لعدد من الأسباب التي تبدو ملزمة. فلا يمكن السماح بالنظر إلى الولايات المتحدة على أنها تخضع لمطالب وتهديدات بكين، وأنها ضعيفة في نظر ليس الصين فحسب، ولكن بقية الحلفاء، ودعاة الاحتواء في واشنطن، على المدى الطويل.

ثانياً، يجب إرسال رسالة قوية إلى بكين مفادها أن واشنطن تقف حازمة ومتسقة في نهجها حيال نوايا الصين المتزايدة لتغيير النظام الإقليمي، وتقويض النظام القائم على القواعد.

وهناك أيضاً تأكيد للدفاع عن الديمقراطية في إطار اتساع نطاق سيطرة قوى الحكم المطلق في المنطقة.

وهذه الزيارة ليست سبباً للتوترات المتزايدة، بل هي نتيجة عقود من الشد والجذب في طيف خفي لا يزال تحت السيطرة بين القوتين، حيث يتهم كل طرف الآخر بأنه هو الذي أثار التوترات، وبالتالي يبرر الخطوة الثانية في نهاية المطاف لبدء الهجوم على الوضع الراهن لإدارة الوضع في تايوان.

من جهتها، تعلق بكين الآمال على واشنطن لتكون أول من يثير الاستفزازات، مع استخدام رحلة بيلوسي كذريعة ضرورية لبدء الإجراءات الاستراتيجية والعدائية الأكبر في إخضاع تايوان بالتهديدات الصارمة وآليات الردع. وهنا يشكل الرد القاسي بإجراءات هجومية كما رأينا في أكبر المناورات العسكرية بما في ذلك إطلاق صواريخ باليستية وتوغلات في خط الوسط خلال اليوم الأول من الإجراءات المضادة، بداية لظهور مؤشرات على نية بكين فرض تحول عن الوضع السابق.

استراتيجية مضادة

وهكذا تضمن بكين إدراك تايبيه أن الغزو وإعادة التوحيد هو خيار قابل للتنفيذ من دون الالتزام بأي إطار زمني محدد. وهنا تأتي رحلة بيلوسي كذريعة تمنح بكين حرية أكثر نحو خيارات أكثر شمولاً لممارسة القوة المفرطة، وتوظيف أوراق أخرى لتعزيز السيطرة على تايبيه.

وتعتمد واشنطن على اللعبة الاستراتيجية المضادة المتمثلة في الانقضاض على زلات بكين الاستراتيجية، وسوء التقدير الناجم عن هذه الملحمة. وإدراكاً منها أن بكين بحاجة إلى التصرف بحزم والقيام بعمل استثنائي لتهدئة المشاعر والمطالب الشعبية، فقد تمت مراقبة هذه الردود العسكرية عن كثب، واعتبرت كافية لتحمل ما تتسبب به الزيارة من خسائر للأمريكيين وحلفائهم.

من هنا سوف يلعب العم سام لعبة الانتظار مجدداً، وإلقاء اللوم على الخطوة الأولى لبكين في التجاوز والخطأ، وبالتالي سيمتلك الذريعة الأكبر لإدانة بكين باعتبارها المعتدية، ومن ثم توفير الأرضية الأخلاقية والمبدئية لممارسة المزيد من إجراءات الاحتواء. كما أنه يعطي مصداقية لواشنطن، بحجة أنها أكدت لبكين مراراً وتكراراً أنها لا تنوي تغيير الوضع الراهن وستلتزم بالسياسة المتفق عليها، وهي نقطة أكدت عليها رئيسة الوزراء التايوانية، تساي إينغ ون، نفسها مع بيلوسي خلال مشاركتهما في مؤتمر صحفي في تايبيه.

لا شك في أن تصرف بكين بشكل خطير رداً على هذه الرحلة سيُنظر إليه على أنه تصعيد غير ضروري. وفي نطاق مختلف، بررت انتخابات التجديد النصفي الوشيكة، تأكيد استعداد الديمقراطيين وموقفهم الصارم تجاه الصين. ولا تزال بيلوسي نفسها من صقور السياسة الأمريكية حيال الصين، مع سجل حافل يمتد لعقود في الوقوف في وجه «أعداء» الديمقراطية وحقوق الإنسان وانتقاد سجل الصين الحافل.

لكن بكين لا تزال دقيقة في تحركها وحريصة على عدم الانجرار إلى الفخ والمخاطرة بنشوب صراع أكبر. وما لم تحقق انتصاراً واضحاً وحاسماً وسريعاً، إذا كانت مستعدة للمخاطرة بهذه المواجهة الشاملة بالتخلي عن جميع الأعراف التقليدية والوضع الراهن وغزو تايوان، فمن غير المتوقع أن يتحمل الرئيس شي التكاليف السياسية وتأثير موجة التصعيد الراهنة. في الوقت الحالي، ستلعب بكين لعبة الصبر والموازنة الاستراتيجية وستواصل اختبار استجابات تايبيه وتصميمها.

حقيقة صعبة

صحيح أن حلفاء بكين استنكروا الزيارة باعتبارها زيارة استفزازية، وغير مبررة في تصعيد التوترات والمخاطر الإقليمية، ما قد يشد في عزيمة الصين، لكن بالنسبة لكل من بكين وواشنطن، تظل الحقيقة الصعبة هي أن كليهما يعتمد على هذا الحدث باعتباره بداية لواقع سياقي متغير في منحهما أوراقاً وخيارات أكبر، تظل مطروحة على الطاولة في المستقبل.

وهذا يعني أن الصين سوف تبرر غزواً واسع النطاق للجزيرة، أو تحركات أكثر حزما في المنطقة مستقبلا، عندما يصبح إلقاء اللوم على الأمريكيين بصفتهم المحرضين، مبرراً وواضحاً لا لبس فيه.

وتظل خيارات واشنطن واسعة أيضاً، من خلال تحفيز الرسالة الواضحة التي تم إرسالها إلى كل من الحلفاء والأعداء عبر هذه الزيارة، والتي مفادها أنه سيتم الحفاظ على مُثُل ومكانة النظام الدولي القائم على القواعد، وأن أي مناورات محفوفة بالمخاطر تقدم عليها بكين في المستقبل ستتم مواجهتها بحزم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"