عادي

اللغات السرية في الشارع المصري

20:20 مساء
قراءة 3 دقائق

القاهرة: «الخليج»

ضمن فصول كتاب «مساحات الالتباس والوعي بالنص الشعبي» للشاعر والباحث مسعود شومان، يأتي فصل خاص ومهم عنوانه «لغة الشارع المصري من اللغات السرية إلى لغة الروشنة». ومثل هذا العنوان تشتبك فيه ومعه عدة علوم، وهل نحن بصدد لغة أم لغات، وهل هي لغات أم لهجات، وأي شارع يمكن أن نلحق به هذه اللغة أو تلك، أم أن الشارع مجرد مجاز؟

إن تأمل المعنى اللغوي في المعاجم قد يكون مرشداً، ليربط بين الشارع كمفهوم، ومعناه اللغوي، شرع الشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة في الدين، والشارع يعني الوضوح والإبانة، كما يعني الظهور، وكذلك هو صفة للطريق.

تتضح العلاقة بين الاستخدام المعجمي القديم والتعبير الشائع «نهر الشارع» الدال على سيولة الحركة، فالمعجم لا يزال قادراً على أن يمنحنا القدرة على التأويل، والسؤال الذي تفجره المعاني السابقة هو: هل الشارع مجرد مكان يسلكه البشر، أم أنه مكان وزمان لممارسة الحديث واللغة والحوار عبر تعبيرات واشتقاقات تتبدى في أشكال متعددة تتشاكل فيها الأحرف مع لغة الجسد؟

هل الشارع لا يزال الشارع التقليدي الذي يعرف ناسه بعضهم بعضاً، وقد اعتاد لغة تتواتر بينهم، أم أنه الشارع الذي أتاح نفسه لكل عابر يتكلم وقتما شاء وأينما شاء؟ وهل شارع المدن الكبرى مثل شارع في مدينة صغرى، وما مدى ارتباط الشارع بالبيت، الظاهر بالباطن، الداخل بالخارج؟

**مفاتيح

يتساءل شومان: ألا تبدو الشوارع مفضوحة متاحة؟ كيف إذن لنا أن نعثر على مفاتيح لغتها السرية، هل نستطيع كما اعتادت الدراسات الفولكلورية أن نعثر على راو محدد نعرفه ونجمع مادتنا منه بالوسائط والوسائل المعهودة، أم سيصبح الباحث جامعاً وراوياً، لأنه ضمن مفردات الشارع؟

يطرح شومان السؤال من جديد: هل ما زال مفهوم الشارع مفهوماً جغرافياً متعيناً في ضوء التداخلات بين الوسائط الجديدة للتواصل الإنساني والتي أخذت جزءاً كبيراً من دور الشارع وجزءاً من دور البيت أحياناً، حيث إنها أصبحت بيت البعض وشارعه، ورغم أنها قد تبدو متجاوزة المكان، إلا أنها أصبحت مكاناً.

ماذا عن الوسائط الجديدة مثل «النت والدش والتليفون المحمول» هل حطمت هذه الوسائط المفهوم اللغوي والجغرافي للشارع؟ هل نستطيع أن نمنح هذه الأشياء (الوسائط) صفة المكان؟ هل نستطيع القول إننا أمام لغة شارع تقليدي أم أن مفهوم الشارع قد تغير عبر هذا الحراك التكنولوجي مع تداخله مع المفهوم القديم للشارع؟

رصد شومان بعض اللغات السرية والخاصة لبعض الطوائف الحرفية، كذلك لغة المدمنين، ولغة الشباب، أو ما يطلق عليه لغة «الروشنة»، لغة التواصل بين مستخدمي الكمبيوتر (الرسائل البريدية – الشات) السباب والشتائم المتداولة، الكنايات والتعبيرات السيارة، بعض مفردات القاموس السياسي.

تجلت التغيرات بجلاء في مجموعة من الملامح، تتبدى بقوة في لغة الشباب، لغة «الروشنة»، كذلك لغة «الشات»، فضلاً عن عبور لغة السياسة للشارع العربي، إضافة إلى السخرية من المصطلحات السياسية والاقتصادية الجديدة، التي تتواتر في لغة هذه الوسائط.

في هذا الكتاب يحاول مسعود شومان تقديم قراءة نصية جادة لفهم وعي الجماعة الشعبية وإدراكها العميق لقوانين الحياة، ذلك الفهم الذي لا يقتصر على سلوكها في الحياة، لكنها تمارس الحياة بالفن، أو تمارس الفن في الحياة، بحيث يصيران جسداً واحداً.

**التباس

كما يحاول الكتاب إعادة النظر في المفاهيم الملتبسة، التي نتجت عن التعامل مع ظاهر أو سطح النصوص الشعبية، ليفض مساحة الالتباس والوعي بالنص الشعبي، كما يتجاسر على فض مغاليق بعض الظواهر الجديدة في مأثوراتنا الشعبية، وهي كثيرة.

رصد منها شومان النكتة اللغزية، شعارات المتظاهرين ورسوماتهم وأيقوناتهم، وحركاتهم كتعبير جسدي، وهو ما يحتاج إلى دراسات مستقلة، فضلًا عن لغة الشارع، والتوك توك كظاهرة اجتماعية تعري المسكوت عنه في الثقافة المصرية.

يمثل الكتاب إطلالة على عالم شديد الثراء بنصوصه ودلالاته الاجتماعية، من هنا فإنه يعيد التأكيد على أهمية الجمع الميداني المنظم، مع تتبع مستمر لندرك كيف استسلمت بعض النصوص لمصيرها التراثي، وكيف واصلت بعضها عبور الزمن لتظل فاعلة في الجماعة وطريقتها في الحياة، كما نستطيع أيضاً ملاحظة النصوص التي تستدعيها الجماعة الشعبية من جب التراث لتحيا بينها، بل كيف دخلت النصوص الفردية في معية الجماعة الشعبية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"