أميرال الطيور

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

شيء من الطبيعة الأدبية الاستثنائية موجود في شخصية محمد علي شمس الدين، ففي أيام قليلة يصفّي لغته وأشواقه الشعرية، كما يقيس الجواهرجي الذهب بالميزان،غير أن صاحب «قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا» لم يكن تاجراً ذات يوم، لا في الذهب ولا في الفكر ولا في الضمير؛ بل على مدى ثمانين عاماً كان على كرامة قلبه أولاً.. وعلى طبيعية شعرية وإنسانية يكون معها قادراً على تصفية الشعر من اللغة والبلاغة المزيّفتين، كما أنه قادر على تصفية اللغة من خطابات الشاعرية والشعاراتية، ليحترم بذلك قلمه وكينونته الأدبية في لبنان، وفي الوطن العربي كلّه بشعرائه التفعيليين والنثريين، فيحظى بهذه الكفاءة الثقافية والفكرية بإجماع عربي من شعراء كل واحد فيهم أو بينهم هو طاووس في ذاته أو في خارج ذاته.
وسوف يتمثل هذا الاحترام الشخصي والثقافي تجاه شمس الدين في محافل شعرية عربية كان خلالها محتفظاً بشعرية عالية الثقافة، وشخصية هادئة، نظيفة، أنيقة، تتماثل فيها وسامته اللّافتة، مع قصيدته المركّزة والمشغولة بالإبرة والحرير.
عرفت محمد علي شمس الدين في مهرجان جرش الأردني، وفي مهرجان بيت الشعر في تونس، وفي مناسبات شعرية وثقافية في الشارقة، وحظيت، وباعتزاز برأي نقدي من قلمه حول مجموعتي الشعرية «خط الهزلاج»، وتعلّمت منه ثقافة الهدوء والأناقة والنظافة بمعناها الأيديولوجي والفكري، وحين التقينا في مناسبة شعرية في تونس قبل سنوات قليلة كان يقلّنا نحن  المشاركين  في تلك المناسبة، باص صغير أو حافلة «كوستر»، وكانت الشمس تسقط على وجهه الطفولي النقيّ كما يليق بالضوء حين ينجذب إلى الشعر، ولا أدري لحظتها كيف سألته فجأة عن «قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا».. مجموعته الأولى التي بدأ بها حياته الشعرية في 1974، وقرأت على شعراء كانوا إلى جواري في الحافلة مقطعاً من تلك المجموعة.
تورّد وجه محمد علي شمس الدين عند استماعه إلى مقطع شعري كتبه قبل نحو نصف قرن، وأخذت أحدثه أن مجموعته تلك أثّرت أبلغ الأثر الجمالي في الكثير من الشعراء، وسألته، إن لم تخني الذاكرة في ما إذا كانت آسيا هي القارة أم هي امرأة، وأياً كانت إجابة شمس الدين آنذاك، ففي المرأة شيء من طبيعة القارّة، وفي قارّات العالم شيء من طبيعة النساءْ.
محمد علي شمس الدين واحد من آخر شعراء قصيدة التفعيلة العربية الرّائعة، وهو واحد من أمرائها، كما هو كان ويبقى أميرال الطيور.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"