«ويب 3» والأمان المالي

14:20 مساء
قراءة 4 دقائق

في وقت سابق من الشهر الماضي، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على منصة العملات المشفرة «تورنادو كاش»، على أساس استخدامها من قبل مجرمين رقميين في غسيل أكثر من 7 مليارات دولار من العملات الافتراضية منذ إنشائها في عام 2019.

كانت إجراءات الإنفاذ هذه أحدث جهود الحكومة الأمريكية لكبح جماح صناعة العملات المشفرة، حيث يتزايد قلق المشرعين والمنظمين بشأن تقلباتها ودورها في تسهيل القرصنة والجرائم الأخرى. لكن ما يجعل هذه الحالة فريدة من نوعها هو أن «تورنادو كاش» وُصفت بأنها «تهديد للأمن القومي الأمريكي»، وجزء من برنامج أكبر. لذلك وضعتها وزارة الخزانة على القائمة السوداء، وأي أمريكي يستخدم الخدمة سيواجه عقوبة قد تصل إلى السجن 20 عاماً.

تمزج منصة «تورنادو كاش» بشكل أساسي الأصول الرقمية وتعيد توزيعها للحفاظ على الخصوصية. وعلى الرغم من أننا لا نعرف كل شيء عنها أو سبب إنشائها، فإننا نعلم أن كميات كبيرة من الأصول الرقمية المرتبطة بنشاط غير مشروع قد انتقلت عبر البروتوكول الخاص بالمنصة منذ إطلاقها، بما في ذلك الملايين التي سرقها قراصنة حول العالم.

وقال بريان نيلسون، وكيل وزارة الإرهاب والاستخبارات المالية: «على الرغم من التأكيدات العامة بخلاف ذلك، فشلت تورنادو كاش مراراً وتكراراً في فرض ضوابط فعالة مصممة لمنعها من غسل الأموال للجهات الفاعلة السيبرانية الخبيثة».

يعتقد البعض أن مثل هذه العقوبات ضرورية لمنع غسل الأموال، بينما يرى البعض الآخر أنها علامة على تجاوز الحكومة. ولكن مهما كانت وجهة النظر، حريٌّ بنا أولاً السؤال عن سبب الحاجة إلى بروتوكول مثل «تورنادو كاش» أو غيرها. والإجابة المختصرة هي أن نظامنا المالي فشل في تحقيق التوازن بين الخصوصية والأمان. ولحسن الحظ، هذا تحدٍ يمكن أن تساعد تقنيات «ويب 3» على حله.

بصفتي كبير مستشاري وزيري خارجية أمريكيين سابقين، أمضيت وقتاً في عشرات البلدان لدراسة كيفية تأثير الأنظمة المختلفة في الحقوق الفردية والديمقراطية، والمساعدة على تصميم التقنيات والتطبيقات لتعزيز المجتمعات المفتوحة. وفي سياق هذا العمل، رأيت فشل الأنظمة المالية اليوم بكل المقاييس تقريباً. حيث يفتقر أكثر من مليار شخص حول العالم، بما في ذلك الملايين في الولايات المتحدة، إلى الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية. ولا يستطيع الكثيرون دفع فواتيرهم أو إرسال الأموال إلى العائلة لأنهم لا يملكون حساباً أو بطاقة مصرفية، والبعض الآخر لا يثقون ببساطة في المؤسسات المالية.

غالباً ما تكون هذه الشكوك مشروعة. إذ يتطلب إجراء المعاملات بأي حجم منا مشاركة المعلومات الحساسة مثل تواريخ الميلاد والعناوين وأرقام الضمان الاجتماعي وغيرها. وبغض النظر عما إذا كنت تستأجر شقة أو سيارة، قد تتم إساءة استخدام هذه المعلومات واختراقها بشكل روتيني. ويقال إن لصوصاً وقراصنة رقميين استولوا على حسابات رئيسية لعملاء في شركة «إكسبيريان»، أحد مكاتب الائتمان الرئيسية الثلاثة التي تحوي معلومات عن أكثر من مليار شخص وشركة بما في ذلك 235 مليون فرد أمريكي وأكثر من 25 مليون شركة أمريكية، وذلك عن طريق الاشتراك في ملفات تعريف جديدة باستخدام المعلومات الشخصية للضحايا. وكشفت وكالة «إكويفاكس» الرئيسية الأخرى لإعداد تقارير ائتمان المستهلك، عن اختراق بيانات 150 مليون شخص، أو بمعنى آخر، جميع القوى العاملة الأمريكية تقريباً، في عام 2017. كما وجد تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2011 أن 99.8% من عمليات غسل الأموال في جميع أنحاء العالم تمر دون عقاب.

ووفقاً لهذه المعطيات، يتضح أن النظام المالي الحالي في أمريكا وسائر العالم أرضية خصبة جداً لازدهار المجرمين والقراصنة. وبالتالي بات لزاماً علينا إعادة تصميم بنيتنا التحتية المالية لتوفر المزيد من الخصوصية والأمان دون تمكين المحتالين من الوصول لغاياتهم الخبيثة. وتسخير تقنيات «ويب 3» تُعد أفضل وسيلة لفتح طرق جديدة للسرية والتحقق من الهوية.

مع الأسف، الخصوصية الرقمية غير موجودة فعلياً في معظم أنحاء العالم. فإما أنك تعيش في بلد مثل الصين، حيث تعرف الحكومة كل شيء عنك من خلال سعي المنظمين إلى تشديد قبضتهم على قطاع التكنولوجيا منذ حوالي عامين، أو تعيش في مكان مثل الولايات المتحدة، حيث يتلاعب عمالقة التقنية بسلوكك ويستهدفونك لأغراض تجارية. وعلى المدى الطويل، لا يتوافق أي من الترتيبين مع مجتمع صحي ومنفتح. لكن عصر «ويب 3» يمكن أن يوفر طريقة ثالثة، من خلال السماح لنا بمزيد من التحكم في هوياتنا ومعلوماتنا الرقمية، مع ضمان قدر أكبر من المساءلة فيما يتعلق بكيفية استخدام تلك المعلومات وإيقاف الجهات الفاعلة السيئة، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية بشكل عام.
لحسن الحظ، ينجذب المطورون الآن نحو حل وسط يحمي الخصوصية ويدعم المبادئ الديمقراطية الأساسية. لكن تصميم هذه الأنظمة مهم للغاية بحيث لا يمكن تركه للحكومة أو القطاع الخاص أو المجتمع المدني وحده. تتطلب الحلول الصحيحة جهداً جماعياً يركز على هذه القضايا الرئيسية المطروحة.

* «بروجيكت سيندكيت»
 

https://tinyurl.com/2mrheyk5

عن الكاتب

كبير المستشارين في إدارة هيلاري كلينتون وجون كيري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"