طباعة النقود من دون رصيد

21:05 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد *

منذ أن أعلن رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك، ماريو دراجي، في خطابه الشهير في يوليو 2012، والذي توجه به في المقام الأول للمستثمرين في جميع أنحاء العالم، وذلك حين بدا أن إيطاليا في طريقها لإعلان التخلف عن السداد (Default) – أن البنك المركزي الأوروبي لن يدع ذلك يحدث، وعمليات طباعة النقود من دون رصيد وشراء السندات الحكومية، أضحت ممارسة عالمية شائعة. ولذا اعتُبرت ممارسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في عام 2020، التي تجاوز بها رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول ما أسمته الصحافة الاقتصادية المتخصصة في الولايات المتحدة، كل الخطوط الحمراء، وممارسات أخرى مشابهة في مناطق أخرى – بمثابة إعادة تأكيد ل«مغامرة» دراجي، التي استهوت، على ما صار واضحاً، محافظي وكوادر البنوك المركزية، لدرجة أن طباعة النقود أصبحت اليوم ممارسة اعتيادية ومتوقعة في أي وقت.

بل صار بوسع البلدان المهددة بالوقوع في «مصيدة» التخلف عن السداد (Default)، إصدار سندات بعوائد سلبية. وفي أوروبا، فإنه حتى الشركات التي تمتلك خيار التخلف عن السداد، يمكنها بيع ديونها (المستحقة الدفع لها) للبنك المركزي الأوروبي بأسعار، من شأن الاحتفاظ بها لحين حلول أجل استحقاقها، أن يشكل خسارة للبنك المركزي الأوروبي. كما صار من الأفضل لبنوك أوروبا الاقتراض بفوائد سلبية من تحمل خسارة ستتكبدها جراء إيداع احتياطياتها بعائد سلبي لدى البنك المركزي الأوروبي، مما يُحوِّل، بشكل من أشكال «الفهلوة»، سلبيتين إلى إيجابيتين.

يحدث ذلك على خلاف القاعدة النقدية الأساسية التي يُفترَض أن يعمل بها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنوك المركزية للولايات، ومنها بنك الاحتياطي الفيدرالي لولاية نيويورك، القائلة بأنه ما لم تكن هناك زيادة في النشاط الاقتصادي تتناسب مع مقدار الأموال التي يتم إصدارها، فإن طباعة النقود لسداد الدين من شأنها أن تجعل التضخم أسوأ. بما يحقق المذهب الاقتصادي البسيط، القائل بأن الكثير من المال يطارد في دورة التداول، عدداً قليلاً جداً من السلع والخدمات.

على المدى القصير، يمكن أن يكون لطباعة النقود، تأثير تحفيزي لدورة النمو. إنما على المدى المتوسط والبعيد، لا يمكن لأي حكومة طباعة النقود للخروج من الركود أو الانكماش، وإن هي فعلت ذلك، فإنه سيؤثر ببساطة في شروط التبادل التجاري بين النقود والسلع. حتى إذا ما استمرت الدولة في طباعة النقود، فإنها بالتأكيد ستجني التضخم. وتاريخياً، عندما تقوم البلدان بطباعة النقود، فإنها تخلق موجات متصاعدة من ارتفاع الأسعار، يطارد بموجبها الكثير من الموارد عدداً قليلاً جداً من السلع. وهذا يعني في الغالب، أن السلع اليومية تصبح باهظة الثمن بالنسبة للمواطنين العاديين لأن الأجور التي يكسبونها تصبح بسرعة بلا قيمة.

لدى الجمهوريين والديمقراطيين خلافات كثيرة حول السياسة المالية. لكنهم جميعاً تقريباً يتفقون على أن هناك ثلاث طرق يمكن للحكومة الأمريكية من خلالها تمويل الإنفاق العام الجديد: عن طريق زيادة الضرائب، أو خفض النفقات الحالية، أو زيادة الدين القومي. فبوسع الحكومة الفيدرالية تمويل استثمارات عامة واسعة النطاق دون إثقال كاهل دافعي الضرائب، أو تقليص بنود أخرى في الميزانية، أو زيادة العجز. وزيادة العجز هو ما فعلته الإدارات الأمريكية المتعاقبة. حدث ذلك خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها مباشرة، حيث موّل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشكل فعال الكثير من المجهود الحربي الأمريكي من خلال طباعة النقود. وهكذا، من خلال شراء سنداتها الخاصة، مولت الولايات المتحدة حوالي 15% من نفقاتها في الحرب العالمية الثانية بواسطة الدولارات المطبوعة عوضاً عن الضرائب. وقد مولت الولايات المتحدة إنفاقها لمعالجة أزمة كورونا بنفس الوسائل.

مجموعة صغيرة من الاقتصاديين والمستثمرين الآخذين في التزايد، باتوا يضعون ثقتهم في «بيتكوين» وغيرها من العملات المشفرة باعتبارها الشكل الجديد، البديل، للعملات التقليدية Fiat currencies (العملات الورقية التي تصدرها الحكومات ولا تدعمها أية سلعة مثل الذهب. لكن هذه النقود توفر للبنوك المركزية سيطرة أكبر على الاقتصاد لأنها تستطيع التحكم في كمية الأموال المطبوعة. ومعظم العملات الورقية الحديثة، مثل الدولار الأمريكي، هي عملات ورقية). إنهم يرون أن نظام «بلوك تشين»، المستقل بعملياته عن البنوك المركزية والحكومات والأنظمة المصرفية، هو الضمانة النهائية لقيمة الأصول، حتى لو كانت تقلبات الأسعار اليومية للبيتكوين وأخواتها، بالغة الحدة.

* خبير اقتصادي بحريني

[email protected]

https://tinyurl.com/yc82thpv

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"