توابع انبعاث الفن الجاد

00:04 صباحا
قراءة دقيقتين

في رأيك، ما هي المساحة التي تحتلها الموسيقى العربية، من المساحة المتاحة لها نظرياً؟ في الحقيقة، ولا حتى 10%. هذه النسبة الضئيلة تشغلها الأغنية التي ينطبق عليها القول: «أضعتَ صفوك في أيّامك الأُوَلِ»، فماضي أغانينا أفضل من حاضرها، بما لا يقاس. هل تعرف أشكالاً وأجناساً غيرها؟ الموسيقى المستقلة عن الكلام، غول وعنقاء. الأغنية أصغر من أن «تملأ عين» الفراغ. لديك هكتار ولا تشغل منه غير ألف متر مربّع. ذلك يشبه دعابة أن الإنسان لا يستغل من طاقة دماغه سوى 10%. أكذوبة لكنها طريفة.
لو عمل الموسيقيون الجادون على ملء الفراغ (90%)، لاحتاجوا إلى ثلاثة عقود من الكدح الإبداعي. كسل ذهني، وإلا فإن المجالات لا حدود لها. خذ مثلاً: تحديث الموروث، كنفخ روح جديدة في الموشحات الأندلسية والشرقية، وتطوير ما فيها من أشكال داخلية، فهي عروض موسيقية متكاملة. بالمناسبة: لدينا موشحات كثيرة كلماتها رديئة، وبعضها انحدار بلا قرار، بينما الألحان جميلة، قابلة لألوان شتى من إعادة الصياغة والتوزيع، مع كلمات حديثة فيها شعر وذوق وخيال. خطيئة لا تغتفر أن يُهمل الموسيقيون تراث الموشحات، ويتركوه يتكلّس في الكلمات الهابطة التي أوجدتها أوساط تسيء إلى الفن. ببساطة: النصوص إلى سلّة المهملات، والألحان تقبل ألف تصرّف وتحديث وتطوير بأبعاد إبداعية جديدة.
في مسار الموروث أيضاً، من المؤسف أن نرى أهل الغرب سبّاقين إلى إبداع موسيقي، بين الخيال وما يشبه الواقع الذي لا يخلو من بعض العناصر النظرية. كذلك الموسيقي الإسباني الذي عمد إلى تأليف موسيقى على غرار ما كان في مصر القديمة. عمل تحقيقي جادّ يجمع بين الأنثروبولوجيا الموسيقية، والإثنوموسيقى، وعلم الصوتيات في نطاق دراسة خصائص الآلات القديمة. هنا واجب الاحترام والتكريم، للموسيقي الجادّ الذي يبني الإبداع على أسس البحث العلمي. لا شك في أن ذلك الإسباني لو رأى مؤلفاً موسيقياً من بلد بعيد، يعمل على إحياء موسيقاه من القرون الغابرة، لمات خجلاً. أما موسيقيّونا فمرحى، وجوههم فولاذية.
قال القلم: تخيّل أن يُدعى الموسيقيون العرب إلى أولمبياد عالمي، ليقدموا عشرة عروض موسيقية كلها مؤلفة في العقدين الأخيرين، عرض واحد يخصص للأغنية، وعروض الأيام التسعة الباقية للأشكال الأخرى، الحديثة. يا ويلتاَ. سيرفعون لافتة: الجناح مغلق للصيانة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاعتذارية: الموضوع لم يستوفِ شروط الإغلاق. بقي في الجعبة كلام مهمّ.
[email protected]

https://tinyurl.com/yc4yffmj

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"