يوسف أبولوز
- فتن اليسار بأفكاره لعقود طويلة
هذه الحوارية افتراضية مع المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي «1891-1937»، وقد تخيّلته، مجازياً، متجوّلاً في أروقة معرض الشارقة الدولي للكتاب، وهو علامة فكرية، ثقافية، أيديولوجية في التراث الأدبي والمعرفي والفلسفي في إيطاليا في النصف الأول من القون العشرين.
غرامشي، وحده في الثقافة الإيطالية ظاهرة سياسية أيضاً إلى جانب حضوره الفكري والنقدي على الرغم من أنه عاش فقط 46 عاماً في فترة تُعتبر من أكثر المراحل السياسية والثقافية حَيَويةً وتحوّلاً وديناميكية اجتماعية أيضاً ليس في إيطاليا وحدها، بل، وفي أوروبا بشكل عام، حيث صعود اليسارين، الثقافي والسياسي، وستكون إيطاليا ما يشبه العش اليساري في العالم، وفي قلب هذا العش «قنفذ» صغير اسمه: غرامشي، نكاية عن حدّيته، وشراسته في المسألتين السياسية والثقافية، غير أن الرجل الذي تأثر به عدد من المفكرين والمثقفين العرب مثل إدوارد سعيد، بل، وتأثر به عدد من نخب أوروبا الفكرية والثقافية مثل ميشيل فوكو له وجه آخر إنساني، أدبي، شعري، حياتي بعيداً عن النظريات السياسية وتبعاتها الأيديولوجية، فما أن تسأل مثقفاً عربياً في فقاعات اليسار حتى سارع إلى الاستشهاد بِ غرامشي، الأمر الذي أوصل البعض من الكتّاب بوصفه بِ «حمار الأيديولوجيا اليسارية» وما يهمّني هنا وفي الدرجة الأولى الأولى هو «غرامشي» الإنسان، ولذا، عمدت إلى تركيب هذا الحوار الافتراضي مع أكبر منظري القضايا السياسية والثقافية اعتماداً على كتاب «شجرة القنفذ - والرسائل الجديدة» ترجمة: أمارجي = الطبعة الأولى 2016.. هذا نصّ الحوار:
* الكثير من المفكرين يعتبرونك آلة أيديولوجية أو صناعة فكرية، فماذا ترد عليهم؟
أبداً، ها أنذا أخبر أحد أبنائي وهو «جوليانو» كيف يرسم. أقول له في إحدى رسائلي: ارسم كما تشاء أنت، لأجل الضحك والتسلية وليس على محمل الجدّ كما لو كنت تنجز واجباً مدرسياً لا يستهويك.
* هل مارست الرسم؟
لا.
** فضاء حر
* حتى ولا في السجن.
السجن فضاء حرّ للقراءة إن أمكن ذلك، وإن سُمِحَ بإدخال الكتب.
هل لك أن تصف للقارئ عمّا كانت عليه غرفتك في السجن؟
* كنت في الزنزانة رقم 22.. الغرفة رحيبة رحابة غرفة طالب: بالنظر أحسبها بعرض ثلاثة أمتار وطول أربعة ونصف المتر، بارتفاع ثلاثة ونصف المتر. النافذة تطل على الفسحة، حيث يُتَنسّم الهواء: ليست نافذة نظامية في طبيعة الحال. إنها «فم ذئب» كما يمكن أن ندعوها..
* هل كانت إدارة السجن توفّر لكم الكتب؟
كل أسبوع أتسلم ثمانية كتب للمطالعة من مكتبة السجن.
في الصباح أنهض عند السادسة والنصف، عند السابعة تدوّي أبواق التنبيه: قهوة، مرحاض، تنظيف الزنزانة، أكرع نصف لتر من الحليب، وازدرء قطعة خبز صغيرة.
أدرس قواعد اللغة الألمانية، اقرأ «الآنسة الفلاّحة» لبوشكين.
* هل لك أن تخبرنا شيئاً عن طفولتك؟
أقُادُ من قبل نفسي منذ زمن طويل، ولقد قدرت نفسي بنفسي مذ كنت طفلاً. لقد بدأت العمل مُذْ كان عمري إحدى عشرة سنة.. لم أعرف أبداً إلاّ الوجه الأكثر وحشية للحياة، ولقد هزمتها دائماً بشكل أو بآخر.
* معروف عنك أنك اشتغلت صحفياً..؟؟
لم أكن في يوم من الأيام صحفياً يبيع قلمه لمن يدفع أكثر ويكون لزاماً عليه أن يزيّف باستمرار، لأن الكذب جزء من كفاءته المهنية، لطالما كنت صحفياً حرّاً، أتمسك دائماً برأي واحد، ولم أضطر يوماً إلى إخفاء قناعاتي إرضاء لبعض السادة.
* هل تهتم بمسألة الأعراق والأصول.. بخاصة أنها تبدو أحياناً موضة اجتماعية برجوازية في أوروبا؟.
أنا لا عِرْقَ لي. أبي من أصول ألبانية. أمّي ساردينية من جهة الأب والأم.. مع ذلك فإن ثقافتي في الأساس إيطالية، وذا هو عالمي، لم أعِ يوماً أنني ممزّق بين عالمين.
** معطف
* أحس أن في داخلك شاعراً مُغَطّى بمعطف الأيديولوجي؟
هذا ربما لأنك قرأت وصفي لثعلب رأيته في بستان فذات يوم كتبت رسالة إلى ولدي دِليو.. «.. على حين غرّة سمع طلق ناريّ حقيقي، أطلقه أحد ما في الجوار. آنذاك فقط وثب ثعلب وفرَّ بسرعة البرق».
* ولكن أين الشعر هنا؟
انظر ماذا كتبت... «..يُخَيّل إليّ أني لا أزال أرى الثعلب يركض بلونه الأصفر الليموني كمثل ضوء البرق على جدار، وذيله مرفوع أبداً، ليتلاشى في دغل كثيف».
* يخيّل إليّ أنك تتأمل الحيوانات والطيور بعين فلسفية، كما كان يفعل ليوناردو دافنشي؟
نعم.. خذ مثلاً رأس النعامة.. للنعام رأس مرتفع وطليق، وهو يقف على ساقين فقط، بيد أن دماغه ليس متطّوراً كفاية لأجل تلك المهمة، أما بالنسبة للإنسان عبر صيرورة ارتقائه، فيبدو أن الظروف المؤاتية قد تضافرت معاً لتساعده على أن يصير ما كانه حتى قبل أن تتكوّن أن الإرادة المحسومة.. الغاية والعقل..
* لك أيضاً تأمّل آخر في الفيل..
نعم، واقعياً لم يحظ الفيل بنفس سيرورة الارتقاء التي حظي بها الإنسان، وطبعاً لن يحظى بها مستقبلاً لأن الإنسان ينتفع من الفيل، بينما الفيل لا يمكنه أن ينتفع من الإنسان، ولا حتى كطعام له..
* أردت أن أخبرك أن الشاعر بيير باولو بازوليني قد كتب فيك قصيدة رثاء بعنوان «رماد غرامشي» قبل أن يموت مقتولاً في عام 1975، وهذا مقطع من القصيدة، كأنه مقطع من رمادك:«كنت يا غرامشي، وأنت الأقل طيشاً وأوفر/صحةً من سائر آبائنا.. لا أسميك أباً/ بل أخاً، قد بدأت ترسم بيدك النحيلة/ المثال الأعلى الذي يريق نوره / لكن ليس لأجلنا: فأنت ميّت، ونحن كذلك موتى معك، في هذه الحديقة»
ولكنني لست بميّت بالمعنى الرثائي الذي تحدّث عنه بازوليني..
** حياة أخرى
* كيف؟
أنا حيّ في الفكرة، والمعنى، والإنساني.
* هذا صحيح تماماً، ولكن ماذا تقول في شاعر تقتله طغمة سياسية فاسدة؟
تقصد بازوليني..
* بازوليني أو غيره..
يحدث هذا في إيطاليا وفي العالم كلّه.. والشاعر لا يستطيع أن يحمي جسده طول الوقت بالواقي الفولاذي.. إنه على نحو ما طائر.
* أرى في رسائلك إلى زوجتك حبّاً كبيراً.. ما سرّ ذلك؟
ربما لأنك قرأت إحدى رسائلي إليها: إذْ أقول:.. «أتعلمين يا عزيزتي تانيا، الوردة انبعثت كلياً من موتها»، وفي مكان آخر كتبت إلى تانيا «تحت الثلج تختلج الآن أوّل البنفسجات».
* هذه طاقة فكرية شعرية؟
كل مفكر إنساني عظيم في داخله شاعر.
*..والفيلسوف؟؟
أيضاً ما من فيلسوف عظيم إلاّ وفي داخله شاعر، ولكن قبل الشعر لابدّ من الحب: الحب خبز العالم.