قوة الأزمة

ثلاثة تهديدات ستغير العالم
22:15 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 9 دقائق
1
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
إيان بريمر
إيان بريمر هو رئيس ومؤسس مجموعة أوراسيا، الشركة العالمية الرائدة في مجال البحوث والاستشارات، ومعلق دائم على شبكات التلفزة العالمية. نشر إيان عشرة كتب. يحاضر حالياً في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا وكان سابقاً أستاذاً في جامعة نيويورك

 اليوم، لا يستطيع الأمريكيون التوصل إلى إجماع حول أي قضية سياسية مهمة، ويتصرف قادة الولايات المتحدة والصين كما لو كانوا محاصرين في حرب باردة جديدة. يرى مؤلف العمل إيان بريمر أننا نهدر الفرص أمام التحديات التي ستواجهنا جميعاً في القريب على صعيد الأوبئة والمناخ والذكاء الاصطناعي.

يوضح إيان بريمر في هذا الكتاب المثير للقلق والأمل، كيف تتركنا الصراعات المحلية والدولية غير مستعدين لثلاث أزمات تلوح في الأفق وهي حالات الطوارئ الصحية العالمية، والتغير المناخي التحولي، وثورة الذكاء الاصطناعي. ويرى أنه في السنوات القادمة، ستواجه البشرية فيروسات أكثر فتكاً وعدوى من كورونا، وأن تغير المناخ الشديد سيؤدي إلى فرار عشرات الملايين من اللاجئين وسيتطلب منا إعادة تصور كيف نعيش حياتنا اليومية، والأخطر من ذلك كله، أن التقنيات الجديدة ستعيد تشكيل النظام الجيوسياسي، وتعطل سبل عيشنا وتزعزع استقرار مجتمعاتنا بشكل أسرع مما يمكننا فهمه.

 ويرى من جهة أن هناك تعاوناً بين بعض القادة السياسيين وصانعي القرار في مجال الأعمال والمواطنين ذوي الرؤية البعيدة للتعامل مع كل هذه الأزمات. السؤال الذي يجب أن يبقينا يقظين هو ما إذا كانت ستعمل بشكل جيد وبسرعة كافية للحد من التداعيات، والأهم من ذلك، ما إذا كان بإمكاننا استخدام هذه الأزمات لابتكار طريقنا نحو عالم أفضل؟

 يناقش الكتاب الصادر عن دار سايمون آند شوستر في مايو 2022 باللغة الإنجليزية ضمن 272 صفحة، الاستراتيجيات العريقة والمتطورة، من خطة مارشال إلى الصفقة الخضراء الجديدة، ليوفر خريطة طريق للبقاء؛ بل وحتى الازدهار في القرن الحادي والعشرين، ويحاول المؤلف أن يظهر للحكومات والشركات وكل مواطن مهتم كيف يمكننا استخدام هذه الأزمات القادمة لخلق الازدهار العالمي والفرص التي وعدت بها عولمة القرن العشرين، لكنها عملياً فشلت في تحقيقها.

مواجهة الأزمات الكبرى

يبدأ المؤلف عمله بحادثة تاريخية يقول فيها: بعيداً عن الكاميرات، افتتح رونالد ريغان محادثته الخاصة الأولى مع ميخائيل غورباتشوف بسؤال مذهل: «ماذا ستفعل إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم مفاجئ من قبل شخص من الفضاء الخارجي؟ هل ستساعدنا؟» لم يتردد غورباتشوف. فأجاب: «لا شك في ذلك». أكد له ريغان: «نحن أيضاً». حدثت تلك اللحظة في كوخ بجنيف في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1985، لكنها لم تكن معروفة للجمهور حتى روى غورباتشوف القصة أمام جمهور حي في مدينة نيويورك في مارس/آذار 2009. أروي هذه القصة لسببين:

أولاً، قال غورباتشوف إن محادثتهما الخاصة الأولى كانت لحظة مهمة للعلاقات بين الرجلين، قائدا القوتين العظميين في العالم. بالتأكيد لم يضمن السلام أو يعيد تشكيل الحرب الباردة. كان هناك الكثير لريغان وغورباتشوف ومفاوضيهم للعمل عليه في السنوات التالية، ولم تنته الحرب الباردة بصفقة كبيرة، لكن بانهيار الاتحاد السوفييتي. ولكن من خلال زرع بذور الثقة وحسن النية، أرسى سؤال ريغان وإجابة غورباتشوف الأساس لعلاقة عمل لم تكن موجودة من قبل بين قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والتي خلقت إمكانية التعاون؛ بل وحتى التنسيق بين الدول المعادية والنووية حول مسائل ذات أهمية حيوية لكل من الدول والعالم. في أوقات مختلفة، أقنع قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أنفسهم وبعضهم بأن قوتي الحرب الباردة كانتا في مسار تصادمي. لقد أدرك ريغان وغورباتشوف الحاجة إلى إبعادهما عن هذا المسار، وقد سمح هذا التحول بإحراز تقدم نحو تحقيق الأمن والازدهار المشتركين على نطاق أوسع والذي تمتع به العالم منذ نهاية الحرب الباردة. 

 ثانياً، يواجه قادة العالم بالفعل تهديدات لبقاء من يحكمونهم. يمكننا أن نبدأ بجائحة عالمية ألحقت الضرر والألم الذي سيظل محسوساً لعقود من الزمن، خاصة في العالم النامي. بدأ «كورونا» حرباً، ولم ينتصر أحد. ارتكب العديد من الحكومات أخطاء فادحة، وفقد كل بلد تقريباً الكثير من الأرواح، وعانى كل بلد تباطؤ اقتصادي حاد وأثقل على نفسه بديون جديدة. أدى توجيه أصابع الاتهام السياسي داخل الحدود وعبرها إلى تفاقم الأمور من خلال إيقاف تدفق المعلومات والموارد الحيوية التي كان من شأنها أن تحد من الضرر الذي لحق بنا جميعاً. في العقد القادم، سنواجه مخاطر أكبر بكثير.

 يرى الكاتب أنه للتغلب على التحديات المفصلة في هذا الكتاب: يجب علينا جميعاً أن نتعلم الدروس التي يمكن أن يعلمنا إياها الوباء، حتى لو لم يكن قادة العالم مستعدون للاتفاق عليها. ستستمر الحكومات الأمريكية والصينية والحكومات الأخرى في التنافس، بشكل علني وسري، على مئات القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية التي لا يتفقون عليها ولن يتفقوا عليها أبداً. ولكن فيما يتعلق بالمخاطر الكبيرة التي تهددنا جميعاً في الوقت نفسه، يمكننا مشاركة المسؤولية والأعباء بناء على التعلم من أخطاء الماضي. ما لم يتمكن قادة الدول الأكثر أهمية في العالم من بناء ثقة كافية للعمل معاً على التهديدات التي نتشاركها، فسوف نعاني جميعاً كوارث لم يتخيلها رونالد ريغان أبداً. هناك أزمات قادمة بعد عامين من أسوأ أزمة صحية لم يشهدها العالم منذ قرن، على الرغم من أن العالم لا يزال يكافح لاستعادة موطئ قدمه، لكن مستقبلنا أصبح الآن في بؤرة الاهتمام.

 يشير المؤلف إلى أننا نواجه حقيقتين تجعلان من الصعب الاستجابة للأزمات العالمية عند حدوثها وهما:

* الأولى هي أن السياسة الداخلية في الولايات المتحدة - التي لا تزال القوة العظمى الوحيدة في العالم - محطمة. 

* الثانية هي أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، والتي ستكون مهمة أكثر من أي علاقة أخرى بالنسبة للمستقبل الجماعي للعالم، تسير في الاتجاه الخاطئ. 

ويضيف: «إننا اليوم نواجه ثلاث أزمات من هذا القبيل. لا يزال العالم يكافح للتخلص من الآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ل«كورونا»، وسوف يصيبنا المزيد من الفيروسات القاتلة حتماً. سيؤدي تغير المناخ إلى قلب حياة مليارات البشر وتهديد استدامة الحياة على هذا الكوكب. سيأتي أكبر تهديد لمستقبلنا المفعم بالحيوية من التأثير غير المتوقع للتقنيات الجديدة التي تغير الطريقة التي نعيش فيها ونفكر ونتفاعل مع الآخرين وستحدد مستقبلنا نوعاً. إن السياسة الداخلية الأمريكية المنهارة والتنافس الأمريكي المتزايد مع الصين يضعفان قدرتنا على بناء الثقة الدولية اللازمة لمواجهة الأزمات الكبرى في عصرنا».

 حرب باردة جديدة؟

 يناقش المؤلف في الفصل الأول مشكلات أمريكا الداخلية، قائلاً: «لم يعد الأمريكيون يبحثون في الخارج عن أخطر أعدائهم، لأنهم بدؤوا يجدونهم عبر الطرق والشوارع والقاعات. إنهم يرون أعضاء الحزب السياسي الآخر، والجيران، وحتى الأقارب أعداء بغيضين جاهلين يجب فحصهم. يسعى الناخبون من اليسار واليمين عمداً إلى الحصول على معلومات (ومعلومات مضللة ومعلومات مسيئة) حول العالم من مصادر يعرفون أنها ستؤكد تحيزهم وتجعلهم يقاتلون بجنون. تعكس الحكومة - الفيدرالية والمحلية - بشكل متزايد هذه التشوهات بطرق مخيفة. حتى في القضايا التي يتفق فيها الأمريكيون من اليسار واليمين أحياناً - مثل الحاجة إلى الوقوف في وجه الصين الصاعدة، على سبيل المثال - فهم لا يتفقون على ماهية المشاكل أو ما يجب فعله حيالها. من الصعب على مواطني البلدان الأخرى أن يروا الولايات المتحدة مصدراً للحلول للمشاكل العالمية عندما يعتبر عشرات الملايين من الأمريكيين الملايين من الأمريكيين الآخرين متطرفين عنيفين أو فاشيين». 

 يجد المؤلف في النصف الثاني من الفصل الأول أن الولايات المتحدة ستدخل على عدة جبهات في صراع جديد مع الصين قد تكون عواقبه أكثر خطورة من عواقب الحرب الباردة الأولى. يقول: «لا يقوم أي من الجانبين بإشراك الطرف الآخر بجدية لتحقيق الأهداف العالمية المشتركة بين البلدين. كان هذا التنافس يتراكم منذ سنوات عندما عززت العداوات الجديدة التي أحدثها فيروس كورونا المواقف في كل من الصين وأمريكا. لدى واشنطن وبكين خلافات وتظلمات مشروعة. سيستمران في المواجهة حول العديد من القضايا. لكن أمريكا والصين مترابطتان أكثر بكثير مما كانت عليه الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من أي وقت مضى، وقد وضع قادة كلا البلدين أنفسهم في مسار تصادمي جديد، وفي وقت لا يوجد فيه جدار برلين لحمايتهم من بعضهم بعضاً. لا يوجد سوى الكثير الذي يمكن لأي منهما فعله للفصل بين مصائرهما الوطنية، ولا توجد طريقة للاختباء من بقية مشاكل العالم، ولا توجد فرصة لنجاح أحدهما من دون الآخر. وبالنظر إلى الروابط بين اقتصاداتهما وحجم التهديدات الحالية والوشيكة، فإن الحرب الباردة الجديدة ستكلف كلا البلدين - وبقية العالم - أكثر مما ينبغي. ستكون الحرب الباردة الجديدة في حد ذاتها شكلاً من أشكال الدمار المؤكد المتبادل. لن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية حليفتين في أي وقت قريب، لكن يمكنهما الابتعاد عن مسار التصادم الحالي ليصبحا شريكين عمليين. كما سنرى، يمكن لقادتهم العمل على التهديدات المشتركة لكل من البلدان والعالم. ابتداء من أوائل السبعينات، وهو الوقت الذي كان بإمكان نيكسون فقط الذهاب إلى الصين وكان بإمكان رجل قوي مثل ماوتسي تونغ أن يقود الصين إلى مسار جديد، عمل البلدان معاً على إنهاء الحرب الباردة. نتيجةً مباشرة، خلق ترابطهما الاقتصادي خلال ربع القرن الماضي حقبة من الازدهار العالمي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. هذا الإنجاز التاريخي في خطر الآن».

 الأوبئة والمناخ والتقنيات

 يلقي المؤلف في الفصل الثاني نظرة على الطرق العديدة التي أدى بها الخلل الوظيفي الأمريكي والجبهة الأمريكية الصينية إلى شل قدرة العالم على الاستجابة بشكل أكثر فاعلية للوباء العالمي. لم تكن حالة طوارئ كورونا متوقعة فقط؛ بل تنبأ بحدوثها كثيرون بما فيها بعض من قادة العالم الذين لديهم القدرة على إعدادنا جميعاً لتجنب أسوأ آثاره. ونعلم أنه سيكون هناك فيروس كورونا جديد قادم، ربما يكون أكثر قابلية للانتقال وأكثر فتكاً. لكن تجربة «كورونا» قدمت لنا أيضاً دروساً: قصص نجاح حقيقية في التعاون العالمي وأكثر من عدد قليل من الإخفاقات المميتة ذات الصلة بنهجنا في مواجهة التحديات العالمية الأخرى. للاستجابة بشكل أكثر فاعلية لحالات الطوارئ المستقبلية، نحتاج إلى فهم كليهما.

يناقش في الفصل الثالث أزمة المناخ، ويرى أنه مثل الغزاة الأجانب خلال حديث رونالد ريغان مع غورباتشوف ومثل جائحة كورونا، أزمة المناخ لا تهتم بالحدود ولا تميز بين الاختلافات السياسية. لقد قضى على ملايين الأرواح وسبل العيش وسيحدث المزيد من التأثيرات. إذا كان الوباء هو التحدي العالمي الأكبر في حياتنا، فإن تغير المناخ يهدد مستقبلنا الجماعي على نطاق أوسع وأطول من خلال خلق اضطرابات داخل وطن يتشارك فيه جميع البشر، عن طريق فرض مطالب اقتصادية غير مسبوقة على الحكومات، وتأجيج الاضطرابات السياسية، وزيادة عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها، ودفع المزيد من الأشخاص اليائسين إلى تقديم اللجوء في الدول المتقدمة أكثر من أي وقت مضى. لمواجهة التحديات العديدة التي سيطرحها تغير المناخ، يجب على الحكومات التي لا تثق في بعضها، والتي لا تشترك شعوبها في أي قيم سياسية أو ثقافية، أن تتعاون وتنسق بشأن سياسة المناخ حتى عندما تتنافس في عشرات الساحات الأخرى. كما في الماضي، يجب على الحكومات والشركات الخاصة والمواطنين الأفراد العمل معاً كما لو كانوا في حالة حرب مع عدو مشترك.

 تقنيات تخريبية

 ويتطرق المؤلف في الفصل الرابع إلى التهديد الأكبر الذي يواجه جنسنا البشري وهو الإدخال غير المنضبط للتقنيات التخريبية العميقة. يلقي نظرة على الطرق العديدة التي يمكن لأدوات العصر الرقمي الجديدة من خلالها تحسين جوانب معينة من حياتنا وستعمل على تحسينها. و«لكن بعد أن نجونا من فيروس كورونا المستجد، فإننا ندرك أكثر من أي وقت مضى أنه يجب اختبار الأدوية الجديدة ذات الآثار الجانبية الخطِرة قبل حقنها في مجرى الدم العالمي. هذا إجراء احترازي للسلامة المنطقية. نحن نبتكر أدوات وألعاب جديدة وأسلحة جديدة تعمل على تغيير حياتنا ومجتمعاتنا بشكل أسرع مما يمكننا تتبعه ودراسته وفهم تأثيرها علينا. على مر التاريخ، عززنا الابتكار، ولا يمكننا أن نتوقع أن يتفق الناس - أو حكوماتهم - تماماً على كيفية استخدام التقنيات الجديدة. لكن الطائرات بدون طيار الفتاكة والحرب الإلكترونية والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي لم تعد من الخيال العلمي. تعمل هذه التقنيات على تغيير العلاقة بين المواطن والدولة - وبيننا وبين إخواننا البشر - بطرق يصعب توقعها. في هذه العملية، تغيّر معنى أن تكون إنساناً».

ويقول المؤلف في الختام: «من خلال العمل معاً وتقاسم المسؤولية تجاه الأخطار التي تلوح في أفقنا جميعاً، يمكن للقادة الأوروبيين والصينيين والأمريكيين والأفارقة واليابانيين والهنود وغيرهم من قادة العالم بناء نظام دولي جديد، نظام يمكنه معالجة جميع الأزمات العالمية بشكل فعال. طرح رونالد ريغان السؤال، وأجابه ميخائيل غورباتشوف. إذا واجهنا تهديدات أكبر منا جميعاً، فهل يمكننا العمل معاً؟ قال الزعيم السوفييتي: «لا شك في ذلك». هذه هي الإجابة الصحيحة.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

2
كريستوفر دبليو هيوز
1
كواشينغ زهاو
1
موزس نعيم
1
سكوت إم.مور

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
ماثيو سبكتر
1
ماثيو تي هوبر
1
مايكل إيود
1
فيفيك شيبر
1
نيل ديفيدسون وجيمس فولي وبن راي
1
جاريد كوشنر