ملفات قمة العشرين المعقدة

00:50 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

فرضت خمسة ملفات نفسها على قمة العشرين التي افتتحت أعمالها الرسمية الثلاثاء الفائت في جزيرة بالي الإندونيسية هي: الأزمة الأوكرانية، والأزمة الغذائية العالمية، والتضامن المالي الدولي بين الشمال والجنوب، والاستقرار الاقتصادي العالمي، وأخيراً ملف المديونية، ورغم ذلك فإن ملفين أساسيين كان لهما السطوة ليس فقط على أعمال المؤتمر وجلساته، بل وأيضاً على القمم الثنائية بين كبار الزعماء هما ملف الأزمة الأوكرانية وملف خطر استخدام الأسلحة النووية. وهذا الملف يرتبط بالملف الأول من منظور «حالة الذعر» التي تسيطر على العالم من احتمالات استخدام روسيا أسلحة نووية في أوكرانيا من ناحية، والخوف من إجراء كوريا الشمالية تجربة تفجير نووي جديدة. القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي جو بايدن بالزعيم الصيني شي جين بينغ، ثم القمة التي جمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالزعيم الصيني كان الهاجس الأساسي فيهما الحصول من الزعيم الصيني على تعهدات تخص الملفين تتوافق مع المواقف الأمريكية – الأوروبية بخصوصهما، وفي المقابل كان الزعيم الصيني حريصاً على الحصول من الرئيس الأمريكي على تعهدات تخص مشكلة تايوان وتخدم وجهة النظر الصينية، وهنا يثار التساؤل: هل يمكن أن تحدث مقايضة بين الأزمات؟ بمعنى هل يقدم الرئيس الأمريكي تنازلات للصين في ملف تايوان مقابل أن يحصل على تنازلات من الصين بخصوص ملفي أوكرانيا وكوريا الشمالية؟

السؤال مهم، وربما لن تكون إجابته النهائية خلال هذه القمة وجلساتها، لأن الاهتمام المحوري على ما يبدو عند الطرفين الأمريكي والصيني هو تخفيف أجواء التوتر بين البلدين، والحيلولة دون تفجر حرب عالمية باردة جديدة، وتقنين التنافس بين الطرفين. فعقب القمة التي استمرت زهاء ثلاث ساعات ونصف الساعة بين بايدن وشي خرج الرئيسان بدعوة ضمنية لتعزيز التعاون المشترك. وقال بايدن «لا حاجة لحرب باردة»، فيما أكد شي أن «العالم كبير بما يكفي لازدهار كل من الولايات المتحدة والصين، وأن مصالح مشتركة كثيرة تجمع البلدين».

هذه الاستخلاصات لمسار وآفاق تطور العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة والصين، والتحول من التفاعلات الصراعية إلى تفاعلات أخرى «تنافسية» و«منضبطة» لم تأت من فراغ. فلقاء بايدن مع شي سبقه لقاء بايدن في العاصمة الكمبودية بنوم بنه برئيس وزراء الصين لي كه تشيانغ على هامش قمة رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) أي قبل 24 ساعة فقط من لقاء بايدن مع شي. قمة بايدن وشي كشفت، رغم اللهجة التصالحية، حرصاً على تأكيد «الخطوط الحمر» التي لا يجب تجاوزها في العلاقات بين الطرفين.

ففي حين تحدث الرئيس الصيني عن ضرورة عدم تجاوز واشنطن الخط الأحمر مع بكين بخصوص جزيرة تايوان، وتأكيد أن تايوان هي من صميم المصالح الجوهرية للصين، قال بيان للبيت الأبيض إن بايدن أثار اعتراضات على «الأفعال القسرية والعدوانية» المتزايدة للصين تجاه تايوان، لافتاً إلى أنها «تقوض السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان وفي المنطقة الأوسع نطاقاً».

الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون يريدون من الصين إدانة ما يسمونه ب «الغزو» الروسى لأوكرانيا، أو على الأقل الحرب الروسية فى أوكرانيا ويريدون أيضاً التدخل الصيني لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقبول ب «حل سياسي» للأزمة، والحل بالنسبة لهم هو: الانسحاب الروسي من أوكرانيا. كما يريدون من الصين التدخل لدى كوريا الشمالية لوقف تهديداتها النووية للدول المجاورة، ويريدون موقفاً صينياً واضحاً وحاسماً لإدانة ومنع أي استخدام للأسلحة النووية.

إلى ذلك فإن أجواء قمة رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) التي حضرتها الولايات المتحدة والصين وروسيا ممثلة بوزير الخارجية سيرغي لافروف أكدت، كما يقول مراقبون أن الولايات المتحدة مستعدة لمنافسة شديدة مع الصين، لكنها لا تسعى إلى الصراع ولا إلى المواجهة. أكد ذلك أيضاً لقاء بايدن، في تلك القمة، مع كل من الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول ورئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا. فالبيان المشترك لهذا اللقاء دان الاختبار الكورى الشمالي الأخير الذي تخلله إطلاق صاروخ بالستي عابر للقارات. الصين حتماً تدرك هذا كله، وتدرك أيضاً أن بايدن سيذهب إلى بانكوك لحضور قمة منتدى التعاون الاقتصادى لآسيا والمحيط الهادي، حيث يتوقع أن تطغى الحرب الأوكرانية على أجوائها.

كيف ستكون خيارات الصين، خاصة في ظل غياب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن قمة العشرين ومداولاتها التي تطغى عليها أجواء الحرب الأوكرانية، خاصة مع اصطفاف كل حلفاء واشنطن مع الموقف الأمريكي؟

[email protected]

https://tinyurl.com/ya8mnw2k

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"