عادي

«الوردة البيضاء».. رائحة الفرح تفوح من زهرة

جورجيا أوكيف اسم استثنائي في عالم الفن
23:18 مساء
قراءة 5 دقائق
جورجيا أوكيف

الشارقة: عثمان حسن
«كان عليّ إنشاء معادل لما شعرت به حول ما كنت أبحث عنه - وليس نسخه» هذه العبارة لواحدة من أهم وأبرز فناني القرن العشرين الأمريكية جورجيا أوكيف.. التي وصفت بأنها ذات تأثير مذهل وعميق لجهة حساسية الفن، ومما قيل فيها أيضاً: إنها أسطورة من القرن العشرين، امتدت مسيرتها المهنية المبهرة عبر التاريخ الكامل للفن الحديث في أمريكا.

وصفتها صحيفة «شيكاغو تربيون» بقولها: «فنانة تتمتع بمكانة استثنائية وموهبة والتزام فني ورؤية نافذة».

أنجزت جورجيا أوكيف عبر مسيرتها الفنية التي امتدت لنحو 70 عاماً مئات اللوحات الأصلية، وتركت إرثاً رائعاً من لوحات الزهور أو الورود على نحو خاص، أبرزت من خلالها ثنائية الضوء والظل، وما يتركه ذلك من أثر وحساسية فنية نابضة بالحياة، وهي التي استمرت في ممارسة الرسم رغم إصابتها بالعمى.

1

يحتضن متحف إنديانا بوليس بولاية إنديانا الأمريكية، لوحة هي الأشهر للفنانة جورجيا أوكيف، وهي بعنوان «جيمسون ويد» أو «الوردة البيضاء» رسمتها أوكيف في عام 1936، وهي منجزة بتقنية الزيت على قماش بأبعاد 212 سم × 180 سم.

واللوحة تصور أربع أزهار كبيرة من عشبة جيمسون، التي تبدو للناظر وكأنها تدور على شكل مروحة وأقرب إلى دولاب هوائي يدور حول مركز ضيق تنثر من خلاله الأزهار، رسمت أوكيف هذه اللوحة بتقنية تبرز شدة لمعان ونضارة اللون الأبيض، مستخدمة براعتها في استخدامات الضوء والظلال في تناغم ملحوظ يبرز جمال الألوان وشدة تأثيرها المريح والإيجابي للناظر.

و«جيمسون ويد» هي عشبة عطرة عشقتها الفنانة أوكيف، حتى أنها بذرتها بكثرة في باحة منزلها رغم «سمية» هذه الزهور، وقد سبق للفنانة أن باعت لوحة أخرى رسمتها عام 1932 بعنوان (جيمسون ويد 1) وهي اللوحة التي كانت محفوظة في متحف «جورجيا أوكيف» وهذه تم بيعها في مزاد لوريثة وول مارت «أليس والتون» في عام 2014 مقابل 44 مليون دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق في المزاد العلني لذات اللوحة قبل 2014.

شغف

وبالعودة إلى لوحة «جيمسون ويد» فقد برعت أوكيف في رسمها مكررة الهيكل الخارجي للزهور البيضاء الذي بدا -كما قلنا- على شكل دولاب يدور في الهواء، وتقنية التكرار هذه، أوحت بذلك الانسجام بين جسد الزهرة وما ينثره من ضوء حتى أن قطب التجميل الشهيرة في ذلك الوقت إليزابيث آردن أوصت باقتناء تلك اللوحة في غرفة التمرين بصالة الألعاب الرياضية التي تملكها في مدينة نيويورك بهدف تشجيع الزبائن على الراحة، ومنح أجسامهم فرصة التمدد على نحو يريح الأعصاب. وقد دفعت آردن نحو 10 آلاف دولار من أجل تلك التركيبة الزهرية التي تعتبر من أبدع وأجمل ما صنعته الفنانة جورجيا أوكيف.

محطات

ولدت جورجيا توتو أوكيف في 15 نوفمبر 1887، وهي الثانية من بين 7 أطفال، في مزرعة بالقرب من صن برايري بولاية ويسكونسن. تخرجت في المدرسة الثانوية في عام 1905، وقد أصرت على شق طريقها كفنانة، فدرست في معهد شيكاغو للفنون ورابطة طلاب الفنون في نيويورك، فتعلمت تقنيات الرسم التقليدي. تحول مسارها الفني بشكل كبير بعد 4 سنوات عندما درست الأفكار الثورية لأرثر ويسلي داوهو (1857 – 1922) وهو المصور والمدرس والرسام الأمريكي المعروف، الذي عرض على أوكيف بديلاً لطرق التفكير الراسخة في الفن، فجربت التجريد لمدة عامين بينما كانت تدرس الفن في غرب تكساس، من خلال سلسلة من رسومات الفحم، وطورت لغة شخصية للتعبير عن مشاعرها وأفكارها بشكل أفضل.

تحول

أرسلت أوكيف بعض رسوماتها التجريدية لإحدى صديقاتها في نيويورك، والتي بدورها عرفتها على ألفريد ستيغليتز، تاجر الأعمال الفنية والمصور الشهير، والذي سيصبح في النهاية زوج أوكيف، وأول من عرض أعمالها في عام 1916.

بحلول منتصف العشرينات من القرن الماضي، عرفت أوكيف كواحدة من أهم وأنجح فناني أمريكا، فاشتهرت بلوحاتها لناطحات السحاب في نيويورك، وغيرها من المباني الشهيرة التي مثلت رمز الحداثة المعمارية الأمريكية، كما استمرت في مواصلة شغفها برسم الزهور.

تجوال

في صيف عام 1929، قامت أوكيف بأول رحلة إلى شمال نيو مكسيكو، حيث استلهمت المناظر الطبيعية الصارخة، وثقافات الأمريكيين الأصليين والإسبان في تلك المنطقة التي أكسبتها اتجاهاً جديداً في الرسم، وعلى مدى العقدين اللاحقين صارت نيومكسيكو موطنها المفضل والدائم خاصة بعد عام 1949، وبعد مرور ثلاث سنوات على وفاة زوجها ستيغليتز.

رسمت أوكيف لوحات تستحضر الأماكن الرائعة التي زارتها، بما في ذلك قمم جبال بيرو وجبل فوجي في اليابان، في سن ال 73 تناولت موضوعاً جديداً له علاقة بالمناظر الجوية للسحب والسماء، وفي هذه السن أصيبت بمرض الضمور البقعي وفشل الرؤية، رسمت أوكيف آخر لوحة زيتية بدون مساعدة في عام 1972. ومع ذلك، لم تتضاءل إرادتها في الإبداع مع تلاشي بصرها، ففي عام 1977، في سن التسعين، كتبت: «أستطيع أن أرى ما أريد أن أرسمه، الشيء الذي يجعلك ترغب في إنشائه لا يزال موجوداً». في وقت متأخر من حياتها، حيث عانت شبه فقدان للبصر، استعانت بالعديد من المساعدين لتمكينها من مواصلة الإبداع الفني. في هذه الأعمال استدعت أوكيف ما استطاعت تخزينه في ذاكرتها وخيالها النابض بالحياة، حتى وفاتها في سانتا في 1986 عن عمر يناهز 98 عاماً.

جوائز دولية

بعد شهرتها الساطعة، بدأت لوحاتها في جذب كثير من الفنانين والمقتنين من كافة أنحاء العالم، فحصلت على كثير من الجوائز الدولية، ويضم متحفها اليوم ما يقرب من 150 لوحة ومئات الأعمال على الورق (رسومات بالقلم الرصاص والفحم، بالإضافة إلى ألوان الباستيل والألوان المائية). تشمل مقتنياتها أيضاً ممتلكات شخصية من الصخور والعظام وفراشي الرسم وآرشيفاً مهماً من الوثائق والصور المتعلقة بحياتها وسيرتها.

عقب وفاتها دخلت عائلتها في نزاع بشأن وصيتها وذلك بسبب ملحقات الوصية التي أدخلت عليها في ثمانينات القرن العشرين، والتي بموجبها تم نقل جميع تركتها لعائلة هاميلتون. وفي نهاية المطاف، تمت تسوية هذه القضية بعيداً عن المحاكم في يوليو عام 1987. وأصبحت القضية مشهورة في قانون السوابق القضائية فيما يتعلق بكتابة الوصية والتخطيط للتصرف في الأملاك. وقد تم تحويل جزء كبير من أصول تركتها لمؤسسة جورجيا أوكيف، والتي تم حلها في عام 2006، لتنتقل هذه الأصول إلى متحف جورجيا أوكيف، الذي تم إنشاؤه في سانتا في في عام 1997 ليخلد فيه الإرث الفني ل «أوكيف» وتضمنت هذه الأصول مجموعة كبيرة من أعمالها وصورها الفوتوغرافية، وموادها الأرشيفية، وما تتضمنه مكتبتها من ممتلكات وقد خصص منزل جورجيا أوكيف والاستوديو الخاص بها في أبيكويو كمعلم تاريخي قومي في عام 1998، وهو الذي أصبح الآن خاضعاً لملكية «متحف جورجيا أوكيف».

https://tinyurl.com/3psn6wvd

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"